فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 89

ويُعرف هذا القصد تارة بإقرار الرادِّ واعترافه، وتارة بقرائن تحيط بفعله وقوله... مثل: كثرة البغي والعدوان، وقلة الورع وإطلاق اللسان، وكثرة الغيبة والبهتان، والحسد للناس على ما آتاهم الله من فضله والامتنان، وشدة الحرص على المزاحمة على الرئاسات قبل الأوان، فمن عُرفت منه هذه الصفات التي لا يرضى بها أهل العلم والإيمان، فإنه إنما يحمل ردُّه عليهم على إرادة التنقص وإظهار العيب، فيستحق حينئذٍ مقابلته بالهوان.

ومن لم تظهر منه أمارات بالكلية، تدل على شيء فإنه يجب أن يحمل كلامه على أحسن مُحْمَلاتِهِ، ولا يجوز حمله على أسوأ حالاته، وقد قال عمر رضي الله تعالى عنه: (لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المسلم سوءًا وأنت تجد لها في الخير محملًا) .ا.هـ من الفرق بين النصيحة والتعيير (10) .

ومثال ذلك في ظني: أن أحد الذين ردوا على إمام من أئمة الدين في زماننا، لما رد عليه في مسألة متفرعة عن مسألة التلازم بين الظاهر والباطن في الإيمان وألف كتابًا في ذلك، جعل هذا الكتاب في مسائلَ كثيرة، وبوب لكل مسألة بابًا منفردًا، ومن تأمل صنيعه وجد كل الكتاب يدور على مسألة واحدة هي المسألة المشار إليها آنفًا، لكن بعدة قوالب، ليستنتج القارئ أن المردود عليه قد خالف في مسائل كثيرة، وهذا من الظلم، أو من الجهل، وكلاهما مر.

الخامس: من آداب وشروط الرد على المخالف أن لا يترتب على الرد مفسدة أعظم من مفسدة السكوت عن الخطأ، فقد يخطئ الشخص في دين الله سبحانه وتعالى، وقد يظلم ويجور ومع ذلك يؤخر الرد ويؤخر الانتصار، لأنه سيترتب على الرد والانتصار مفسدة أعظم وأعظم، ولازال السلفيون يعيبون على خوارج العصر، الذين يجاهدون بغير إقامة شروط الجهاد لازالوا يعيبون عليهم جهادهم هذا، لأنه يترتب على قتالهم اليوم مفسدة أعظم وأعظم مما لو صبروا وكفوا عن القتال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت