فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 89

ولو تأمل العاقل ذلك لوجده الحق الذي ليس عنه محيد، ومن قال بوجوب ذكر الحسنات حين الرد على المخالف وتشرب قلبه هذه الشبهة: ليتصور خطيب الجمعة أو الناهي عن المنكر كلما أراد أن يحذر من العلمانيين أو اللبراليين، أو من الفساق الماجنين، أو من الكتاب الملحدين، أو من الكفار المحاربين والمحادين لله ورسوله الأمين، هل يسوغ له أن يبدأ خطبته قبل التحذير منهم ومن أخطائهم بقائمة طويلة من الثناء على أولئك النتنا والمأفونين، وذكر حسناتهم وسجاياهم الكريمة! هل يسوغ ذلك في عقل أو ذوق أو عرف، فضلا عن الشرع الحكيم؟!.

وبعد أن تقرر ذلك لابد أن يعلم أن عدم ذكر الحسنات حين الرد هو الأصل، إلا إذا عَلِم الرادُ والمُنكِرُ أنه سيترتب على عدم ذكر الحسنات مفسدة أعظم من مفسدة ذكر ها، كرد الحق كله، أو القيام على صاحب الحق ورده عن دعوته بالكلية، وهذا كمن يكون في أرض كثر فيها أهل البدع وتغلبوا، وقلَّ فيها أهل الحق واستُضعِفوا، فيلجأ الراد والمُنكِر إلى ذكر شيء من حسنات المردود عليه، ليتوصل بذلك إلى مداراة المخالفين، وإسماعهم الحق.أو ترتب على ذكر الحسنات مصلحة أعظم من مصلحة كتمها، كقبول صاحب البدعة أو الخطأ وتوبته، فهنا لا بأس أن تذكر حسناته.

قال ابن تيمية -رحمه الله-:"قد يتعذر أو يتعسر على السالك سلوك الطريق المشروعة المحضة إلا بنوع من المحدث لعدم القائم بالطريق المشروعة علمًا وعملًا، فإذا لم يحصل النور الصافي، بأن لم يوجد إلا النور الذي ليس بصاف وإلا بقي الإنسان في الظلمة، فلا ينبغي أن يعيب الرجل وينهى عن نور فيه ظلمة إلا إذا حصل نور لا ظلمة فيه. وإلا فكم ممن عدل عن ذلك يخرج عن النور بالكلية، إذا خرج غيره عن ذلك لما في طرق الناس من الظلمة."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت