فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 89

قال ابن القيم في تقرير هذين الجوابين: إذا تأمل المتأمل فساد العالم، وما وقع فيه من التفرق والاختلاف، وما دفع إليه أهل الإسلام وجده ناشئًا من جهة التأويلات المختلفة المستعملة في آيات القرآن وأخبار الرسول، التي تعلق بها المختلفون -يعني أهل البدع- على اختلاف أصنافهم، في أصول الدين وفروعه، فإنها أوجبت ما أوجبت من التباين والتحارب وتفرق الكلمة، وتشتت الأهواء وتصدع الشمل وانقطاع الحبل وفساد ذات البين، حتى صار يكفر ويلعن بعضهم بعضًا، وترى طوائف منهم تسفك دماء الآخرين، وتستحل منهم أنفسهم وحرمهم وأموالهم، ما هو أعظم مما يرصدهم به أهل دار الحرب -يعني الكافرين- من المنابذين لهم، فالآفات التي جنتها ويجنيها كل وقت أصحابها على الملة والأمة من التأويلات الفاسدة أكثر من أن تحصى، أو يبلغها وصف واصف، أو يحيط بها ذكر ذاكر، ولكنها في جملة القول أصل كل فساد وفتنة، وأساس كل ضلال وبدعة، والمولدة لكل اختلاف وفرقة، والناتجة أسباب كل تباين وعداوة وبغضة، ومن عظيم آفاتها ومصيبة الأمة بها: أن الأهواء المضلة والآراء المهلكة التي تتولد من قبلها لا تزال تنمو وتتزايد على ممر الأيام وتعاقب الأزمنة، وليست الحال في الضلالات التي حدثت من قبل أصول الأديان الفاسدة -يعني كاليهودية والنصرانية-كذلك فإن فساد تلك معلوم عند الأمة، وأصحابها لا يطمعون في إدخالها في دين الإسلام، فلا تطمع أهل الملة اليهودية ولا النصرانية ولا المجوسية ولا الثانوية ونحوهم أن يدخلوا أصول مللهم في الإسلام، ولا يدعوا مسلما إليه ولا يدخلوه إليهم من بابه أبدًا، بخلاف فرقة التأويل -يعني أهل البدع- فإنهم يدعون المسلم من باب القرآن والسنة وتعظيمهما، وأن لنصوصهما تأويلًا لا يوجد إلا عند خواص أهل العلم والتحقيق، وأن العامة في عمى عنه، فضرر هذه الفرقة على الإسلام وأهله أعظم من ضرر أعدائه المنابذين له، ومثلهم ومثل أولئك كمثل قوم في حصن، حاربهم عدو لهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت