قلنا: إن الخالق استوى، والمخلوق استوى، شابه الخالق المخلوق؛ فلهذا عندنا دليل، فنصرف الاستواء عن المعنى الظاهر المتبادر إلى معنى آخر مرجوح.
والدليل: العقل الذي يدل على أن الله لا يمكن أن يكون مستويًا استواء حقيقيًا هذا، باطل. هذا من تأويل الجاهلين الذي ينفيه أهل العلم، هذا معنى قول المؤلف ... مثال لقول المؤلف:"وتأويل الجاهلين والمبطلين". الباطل ينفيه أهل العلم عن كتاب الله -عز وجل- كذلك أيضًا قول النزول أولوه، قالوا: ليس نزولًا حقيقيًا، صحيح المعنى المتبادر: ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا أنه نزول حقيقي، قالوا: لا نصرفه إلى معنى بعيد، نقول: جاء أمره، فإذا قيل لهم: لماذا؟ قالوا: عندنا الدليل، العقل يمنع أن نحمل النزول على معناه الحقيقي؛ لأن الله لا يجوز عليه الانتقال ولا .. والنزول من صفات المخلوقين. نقول: هذا باطل، نقول: ينزل ولا نكيف النزول، وهكذا جميع الصفات التي أوّلها أهل الجهل والمبطلون وأهل الكلام، نفاها أهل العلم عن كتاب الله -عز وجل-، هذا معنى قول المؤلف -رحمه الله-:"ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين".
ثم وصفهم الإمام -رحمه الله- بقوله:"الذين عقدوا ألوية البدعة"هذا فيه بيان لشدة تمسك أهل البدع ببدعهم، من شدة تمسكهم كأنه جيش يُعقد له لواء، فقائد الجيش إذا عقد اللواء -خلاص- تم توجيه الجيش، إذا عقد اللواء وجه الجيش، يعني: ثبت، أما قبل أن يعقد اللواء قد يوجه الجيش، وقد لا يوجه. فإذا عقد اللواء توجه الجيش، فهؤلاء عقدوا ألوية البدعة يعني: صمموا ولزموا البدعة كما أن قائد الجيش يصمم حينما يعقد اللواء للجيش، يصمم على إنفاذه، فهؤلاء عقدوا ألوية البدعة. يعني: لزموها وتمسكوا بها وصمموا عليها."وأطلقوا عقال الفتنة"يعني: أن هؤلاء المبتدعة حينما أولوا كتاب الله وحرفوه وأولوه ونسبوا إليه ما ليس منه، هذا فتنة فتنوا الناس عن دينهم وصرفوهم عن الحق، فكأنهم فتحوا باب الفتنة على مصراعيه، أطلقوا عقال الفتنة، الفتنة كانت ممسكة ثم أطلقها هؤلاء، كما أن البعير إذا أطلقت عقاله ذهب البعير. البعير ... معروف عند العرب أن البعير إذا أنيخ يكون هناك عقال تربط به يده حتى لا يقوم، وإذا ربطت اليدين أوثقته، ما يتحرك، فإذا أطلقت العقال قام وذهب، إذا أطلقت العقال ... . العقال: هو الخيط أو الحبل الذي يربط به يد البعير، إذا ربطت يد البعير خلاص عقلته، يقال: عقل البعير يعني: أمسكه ... بإيش؟ أمسكه بهذا الحبل الذي يربط به يده، حتى لا يهذب، فإذا أطلقت العقال قام ومشى، فكذلك هؤلاء، كانت الفتنة معقلة ممسكة فجاء أهل البدع فأطلقوها فانتشرت -نسأل الله السلامة والعافية.
هذا بيان من الإمام -رحمه الله- وكيفية نشر هؤلاء للفتنة والبدع أطلقوا عقال الفتنة فانتشرت بين الناس، وذلك بتحريفهم الذي فيه غلو، ونسبتهم إلى القرآن ما ليس منه، وتأويلهم الباطل، بهذا نشروا الفتنة بين الناس؛ ولهذا قال المؤلف:"الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عقال الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب". الاختلاف هنا عندنا يقول المؤلف:"فهم مختلفون في الكتاب"مخالفون للكتاب: مجمعون على مفارقة الكتاب، مختلفون في