والمرجئة يقولون: قولنا هو الحق، والنصوص تدل على أن المؤمن لا يضره -أي- شيء مع إيمانه. وهكذا فكل يدعي وصلا لليلى وليلى لاتقر لهم بذاك، كل من هؤلاء المبتدعة يدعي أن قوله هو الحق، وأن قول خصمه هو الباطل الذي يجب تأويله وتفريغه. فهذا مخالف للكتاب وهم مجمعون على مفارقة الكتاب، حيث لم يعملوا بالقرآن، وقالوا: إن دلالته -دلالة القرآن- لفظية لا تفيد اليقين، يقولون: إن دلالة القرآن لفظية ظنية لا تفيد اليقين، فهي مظنونة. فالمتواتر القرآن والحديث المتواتر هذا قطعي الثبوت، لكنه ظني الدلالة. فمثلا الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى يقولون: هذه قطعية ثابته ما في إشكال، قرآن. وكذلك السنة المتواترة، لكن كونه يدل على الاستواء الحقيقي هذا مظنون، ظني؛ لأنه قد يراد به الاستيلاء، فالدلالة ظنية.
وأما أحاديث الآحاد، قالوا: هذه ظنية الثبوت وظنية الدلالة لا يحتج بها لا من جهة السند ولا من جهة المتن، فثبوتها ظني، والدلالة ظنية. والقرآن ليس لهم حيلة فيه في أن يقولوا: ليس بثابت، يقولون: صحيح قطعي الثبوت لكنه ظني الدلالة، فسدوا على القلوب معرفة الله من كتاب الله -عز وجل- معرفة الله بأسمائه وصفاته من كتاب الله -عز وجل-، وقالوا ... ثم أيضًا القرآن، والسنة أدلة لفظية أدلة نطقية والأدلة اللفظية والنطقية لا تفيد اليقين ما تفيد إلا الظن، ما الذي يفيده اليقين؟ قالوا: الذي يفيده اليقين هو الأدلة العقلية، يسمونها قواطع، القواطع العقلية براهين يقينية، وهي المقدمات التي يرتبها أهل المنطق، ويستخرجون النتائج منها، مثل قولهم: الله ليس بجسم، وكل ما ليس بجسم لا يُرى، فالنتيجة: الله لا يرى. هذا ... مثلًا يركبون الدليل من مقدمتين ونتيجة: الله ليس بجسم وكل ما ليس بجسم لا يرى، فالنتيجة: الله لا يرى، يقول: هذا دليل قطعي يقيني، برهان يقيني.
أما القرآن والسنة أدلة لفظية، والأدلة اللفظية لا تفيد اليقين. إذًا أبطلوا الاحتجاج بالقرآن والسنة. هذا معنى قول المؤلف -رحمه الله-:"مجمعون على مفارقة الكتاب، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم". يقولون على الله بلا علم، في أسمائه وصفاته وشرعه، يقولون بغير علم، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، القول على الله بلا علم من أعظم الجرائم، وأعظم الكبائر، حتى إن الله -سبحانه وتعالى- جعله فوق الشرك بالله -عز وجل-، قال الله تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ. جعلها فيها مرتبة فوق الشرك؛ لأنه يشمل الشرك ويشمل غيره، كل مشرك قد قال على الله بلا علم، بلسان المقال وبلسان الحال، من عبد مع الله غيره أو أشرك بالله أو جحد أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة فقد قال على الله بلا علم. فالقول على الله بلا علم يشمل الشرك ويشمل الضلال والبدع، كل قول على الله بلا علم ... وقد جعل الله تعالى القول بلا علم من إرادة الشيطان في قوله -عز وجل-: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ