الصفحة 123 من 339

وقالوا: إنه يجوز لله أن يقلب التشريعات القدرية إذا تصرف في ملكه، وقالوا: إنه يجوز لله أن يقلب التشريعات والجزاءات، فيجعل العفة حراما، والزنا واجبا، وأن يبطل حسنات الأبرار والمتقين، ويحملهم أوزار الفجار، ولا يكون ظالمًا لماذا؟.

قالوا: لأن هذا داخل تحت القدرة، وكل شيء داخل تحت القدرة لا يكون ظلمًا، واستدلوا بمثل قوله -عليه الصلاة والسلام- في حديث عن الله: لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم.

وقالوا كقوله -عز وجل-: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ وهذا من أبطل الباطل، قول الجبرية هذا من أبطل الباطل؛ لأن الله -سبحانه- نفى عن نفسه الظلم، لو كان الظلم مستحيلا، كيف ينفي شيئا مستحيلا، وأمَّن عباده من خوف الظلم قال: فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ لو كان الظلم غير مقدور لله، وغير داخل تحت القدرة ما يخاف منه الإنسان، فالشيء المستحيل هل يخاف الإنسان من المستحيل؟

ما يخاف الإنسان منه، كيف يؤمن الله عباده منه، ثم هذا أيضًا لا يليق بحكمة الله؛ لأن الجبرية لا يقولون بالحكمة، ما يثبتون الحكمة لله، ولا الغرائز، ولا الطبائع، ولا الأسباب.

يقولون: يفعل ما يشاء، يفعل بالقدرة بالمشيئة، فالمشيئة الإلهية يقولون: تخبط خبط عشواء، تجمع بين المتفرقات، وتفرق بين المتماكنات، هكذا -والعياذ بالله- أنكروا الحِكَم والأسرار، هذا من أبطل الباطل.

قابلهم القدرية المعتزلة قالوا: كل ما كان من العبد ظلمًا وقبيحًا، فهو من الله ظلم وقبيح ولو فعله، كل ما يكون من العبيد ظلمًا يكون من الله ظلمًا، شبه الله بالخلق، عكس الجبرية، فالجبرية يقولون: لا يوجد الظلم، ولا وجود للظلم أبدًا، مستحيل وقوع الظلم؛ لأنه هو الممتنع الذي لا يدخل تحت قدرة الله.

والقدرية قالوا: كل ما كان من العباد ظلمًا، فهو ظلم من الله لو فعله، وأهل السنة توسطوا لم يقولوا بقول الجبرية، ولم يقولوا بقول القدرية، قالوا: الظلم وضع الشيء في غير موضعه، كأن يُحَمِّل أحدًا أوزار غيره، أو يمنعه من ثوابه الذي استحقه، هذا هو الذي نفاه الله عن نفسه، وهذا هو الذي حرَّمه على نفسه، وهذا هو الموافق للغة العربية.

الظلم وضع الشيء في غير موضعه، هذا هو الظلم كأن يحمل أحدًا جرم غيره وآثام غيره، أو يمنعه من ثواب استحقه، وإن كان الله -تعالى- أوجبه على نفسه إيجاب الكرام، وتفضل.

فهؤلاء الجهمية حينما قالوا: إنه يعذب جلودًا غير الجلود التي لم تذنب، يقولون: هذا ما يسمونه ظلم؛ لأنهم جبرية زنادقة، يقولون: لله أن يفعل ما يشاء، وكل شيء يفعله، وهو داخل تحت قدرته، فلا يسمى ظلمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت