إذن الشبهة أنهم يقولون: عندنا آيتان متنافيتان، آية فيها أنهم دخلوا النار؛ لأنهم لم يكونوا مصلين، فدخلوا النار من أجل تركهم للصلاة، وفي آية تتوعد المصلين: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ كيف ذلك؟.
آية فيها أن أهل النار دخلوا النار بسبب تركهم للصلاة، إذن تركهم للصلاة من أسباب دخولهم النار، والآية الأخرى تتوعد المصلين فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ والويل شدة العذاب والهلاك، وقيل: واد في جهنم فأخبر أن المصلين هالكون، وغير المصلين هالكين، فكيف هذا؟ لأن مفهوم لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ أن المصلي ناج، فهم هلكوا، ما سبب هلاكهم؟ وعذابهم في سقر؟ كونهم لم يصلوا، إذن الذي يصلي ناج، لكن جاءت آية أخرى تتوعد المصلي فكيف ذلك؟ واضح هذا.
آية فيها أن الذي ترك الصلاة دخل النار، ومفهومه أن الذي يصلي لا يدخل النار، ولا يعذب، لكن جاءت أخرى تتوعد المصلي فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ نعم، الجواب.
قال: وأما قوله: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ عنى بها المنافقين الذين هم عن صلاتهم ساهون، حتى يذهب الوقت، الذين هم يراءون يقولون إذا رأوهم صلوا، وإذا لم يروهم لم يصلوا. وأما قوله: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ يعني من الموحدين المؤمنين فهذا ما شكت فيه الزنادقة.
كفى. إذن الجواب: أجاب الإمام -رحمه الله- بأن كل آية محمولة على حالة، فالآية التي فيها فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ قال: المراد بهم المنافقون، بدليل قوله: الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ فهم يصلون نفاقًا لا عن إيمان بالله ورسوله، بل عن رياء مراءاة: الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ يقول: إذا رأوهم صلوا، وإذا لم يروهم لم يصلوا.
ويدل على هذا ما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما يعني من الأجر لأتوهما ولو حبوا.
لأن المنافقين لا يصلون عن إيمان بالله وبرسوله، فكانوا يصلون الظهر والعصر والمغرب أمام الناس يراءونهم؛ لأن الظهر والعصر والمغرب في وقت النهار، كلٌّ يراهم، فهم يصلون رياء، لكن في وقت العشاء وفي وقت الفجر ظلام، ما عندهم أنوار، ما عندهم كهرباء مثل الآن، لا في الشوارع، ولا في المساجد، فيكون المسجد مظلما، والشوارع مظلمة في وقت العشاء، ووقت الفجر يتخلفون؛ لأنهم يظنون أنهم يخفون على الناس، فلا يرونهم، فيتخلفون، فلذلك كانت هاتان الصلاتان ثقيلتين عليهم.