ألا مَن ولي عليه وال فرآه يأتي شيئًا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يده من الطاعة إذن الحديث أصل في عدم الخروج على ولاة الأمور بالمعاصي؛ خلافًا للمعتزلة والخوارج والرافضة، فالخوارج والمعتزلة يخرجون على ولاة الأمور.
الخوارج عندهم أن ولي الأمر إذا فعل معصية كفر يجب خلعه وقتله والخروج عليه، والمعتزلة كذلك يرون عندهم أصل من أصولهم الخمسة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
النهي عن المنكر ستروا تحته الخروج على ولاة الأمور بالمعاصي، سموه النهي عن المنكر، والرافضة كذلك ليس عندهم الإمام إلا الإمام المعصوم، وهم الأئمة الاثنا عشر الذي نص عليهم النبي عليه الصلاة والسلام.
وعلى هذا جميع ولاة الأمور من خلفاء بني أمية وخلفاء بني العباس إلى من بعدهم كلهم ولاة جور وظلم يجب قتلهم والخروج عليهم، ولا إمام إلا الإمام المعصوم، وأهل السنة والجماعة خرجوا عن هذه المعتقدات الفاسدة.
أهل السنة والجماعة لا يوافقون الخوارج ولا يوافقون المعتزلة ولا الرافضة، بل يرون السمع والطاعة لولاة الأمور فيما هو من طاعة الله، وأما المعاصي فلا يطاع فيها أحد، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
إذا أمر ولي الأمر بالمعصية فلا يطاع، وإذا أمر الأب ابنه بالمعصية لا يطيعه، وإذا أمر الزوج زوجته بالمعصية لا تطيعه، ولكن لا يخرج عليه ليس معنى كونه لا يطيعه في المعصية أنه يخرج عليه ويؤلب عليه وينابذه. لا، المعنى أنه لا يطيعه في المعصية، لكن لا يخرج عليه، فإذا فعل ولي الأمر معصية ما، يجب الخروج عليه، ولو فعل معصية، ولو ظلم بعض الناس، أو قتل بعض الناس، أو سجن بعض الناس، أو شرب الخمر، أو فعل معصية ما يجوز الخروج عليه. لماذا؟
لأن الخروج على ولاة الأمور يترتب عليه مفسدة أعظم يترتب عليه مفسدة الافتراق والانشقاق، وإراقة الدماء، وتربص الأعداء بهم الدوائر، وتناحر المسلمين، وتطاحنهم فيما بينهم وتفرقهم وذهاب ريح الدولة، واختلال أحوال المسلمين: المعيشية، والاقتصادية والتعليمية والسياسية والاجتماعية.
يترتب عليه فساد عظيم. هذه مفسدة، وهناك قواعد شرعية معروفة مأخوذة من النصوص، وهي أنه إذا وجد مفسدتان لا بد من ارتكاب أحدهما، تُرْتَكَبُ أدنى المفسدتين؛ لزوال أعلاهما، فعندنا مفسدتان الآن: مفسدة معصية ولاة الأمر، معصية ولي الأمر، عصى فسق، تعالى، المعاصي هذه مفسدة.
والثانية: مفسدة الخروج عليه، وهي يترتب عليها إراقة الدماء وانشقاق المسلمين، وتربص الأعداء بهم الدوائر، واختلال الأمن. واختلال التعليم، واختلال الاقتصاد، واختلال السياسة، واختلال الزراعة والصناعة.