الصفحة 155 من 339

أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ فأنزل الله سبحانه يخبر من أنه لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ أي: لا يراه أحد في الدنيا دون الآخرة.

فقال: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ يعني: في الدنيا، أما في الآخرة فإنهم يرونه، وهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة، واضح الآن.

إذن فخلاصة الجواب أن آية إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ محمولة على رؤية المؤمنين في الجنة، وآية لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ محمولة على الدنيا، وأن في الدنيا لا يراه أحد، واضح هذا.

هناك جواب آخر في الجمع بين الآيتين، وهو أن الآية: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ عامة لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ تخصص في الآية الثانية، وهي إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ هذا عام لكن يخص من ذلك المؤمنون في الجنة، فإنهم يرونه، وهذا قريب من المعنى الأول، قريب منه، يعني: تكون الآية من باب العموم، والخصوص، فآية: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ عام، وآية إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ خاص، فلا يراه أحد أبدا إلا المؤمنون، فتكون رؤية المؤمنين خاصة مخصصة لعموم لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ واضح هذا.

هناك جواب ثالث، وهو الصواب، وهو أن قوله عز وجل: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ليس فيه نفي للرؤية، وإنما فيها نفي للإدراك، والإدراك أخص من الرؤية، والرؤية أعم، فالآية ليست هي نفيا للرؤية ما قال: لا تراه الأبصار، قال: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ.

والإدراك قدر زائد على الرؤية فقد يرى الإنسان الشيء، ولا يدركه؛ لأن الإدراك معناه الإحاطة، الإحاطة بالشيء، ومعرفة كنهه، فالمؤمنون وإن رأوا الله في الجنة لكن لا يدركونه، ولا يحيطون به رؤية، واضح هذا.

فالمراد بالإدراك نفي الإدراك، نفي الإحاطة، المستلزم لمعرفة الكنه، والحقيقة، والكيفية، واضح هذا، فالآية نفت الإدراك، ولم تنف الرؤية ففرق بين أيش بين نفي الشيء نفي الرؤية، ونفي الإدراك فالمؤمنون يرون ربهم في الجنة، لكن لا يحيطون به رؤية، ولا يعلمون كنهه، بل إن الإنسان في الدنيا الآن يرى الشيء، ولا يحيط به رؤية، فأنت الآن ترى الجبل تراه لكن هل تحيط به رؤية؟ تحيطه من جميع الجهات، ولا يخفى عليك شيء من جهاته؟ يخفى عليك شيء.

وأنت في البستان في البستان، ترى البستان، ولا تحيط به رؤية إذا كان عندك بستان مسافة عشرة كيلو، بعشرة كيلو أنت في البستان، ترى البستان، ولا ما تراه؟ تراه لكن هل تحيط به رؤية؟ ما تحيط به إذا أردت أن ترى الجوانب الأخرى فاركب السيارة تذهب حتى ترى الجوانب الأخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت