والسماء نراها الآن، نحن الآن نرى السماء، لكن هل نحيط بالسماء رؤية؟ ما نحيط بها نرى الأرض، ولا نحيط بها رؤية، نحن الآن في مدينة الرياض، نراها، لكن هل نحيط بها؟ هل تعلم الآن ما يحدث في الشرق، أو الغرب أو في الشمال أو في الجنوب؟ ما تحيط به رؤية، فإذن هناك فرق بين أيش؟ بين نفي الرؤية، ونفي الإدراك، فالله -تعالى- ما نفى الرؤية، وإنما نفى الإدراك.
فالله -تعالى- لكمال عظمته، وكونه أعظم من كل شيء، وأكبر من كل شيء لا يحيط به أحد رؤية، وهو أعظم وأعلى وأجل من أن يحيط به العباد، والله -تعالى- أخبر في قصة مسير موسى، ومن معه من الجيش، ولحوق فرعون، ومن معه بأن الجمعان تراءى تراءيا.
قال الله -عز وجل-: فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ ما هم الجمعان الجمع الذي مع موسى، والجمع الذي مع فرعون: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ.
ثم قال بعد ذلك: فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ موسى ومن معه امتثل أمر الله فسرى بأيش؟ بمن معه بني إسرائيل، فتبعهم فرعون، ومن معه؟ جيش يتبع جيش، أليس كذلك؟ جيش يتبع جيش، موسى ومن معه تبعهم فرعون ومن معه: فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ صار كل جمع يرى الجمع الآخر.
كل واحد ينظر تَرَاءَى الْجَمْعَانِ جمع بني إسرائيل يرون جمع فرعون، ومن معه، ماذا قال أصحاب موسى؟: قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ إذن هذا الإدراك غير الرؤية إِنَّا لَمُدْرَكُونَ يعني: لمحاط بنا فموسى -عليه السلام- نفى الإحاطة، قال:"كلا"، قَالَ كَلَّا يعني: لستم بمُدْرَكين: إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ.
فإذن الرؤية قوله: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ هل يراد الرؤية؟ لا، الرؤية مثبتة ثابتة فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ ما فيها إشكال، كل جمع يرى الآخر، موسى لما قالوا: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ نفى الإدراك، قال: كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي يعني: لستم بمُدْرَكين، الإدراك ما هو؟ يحيط بهم فرعون يحيط بهم الجيش، ويقبض عليهم، هذا نفاه موسى قال:"كلا"وإن رأيتم الجيش من بعد، لكنه لا يحيط بكم، ولا يدرككم كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ.
فلما وصل موسى إلى البحر، أمره الله فضرب البحر بعصاه، فانفلق فكان اثني عشر فريقا على عدد القبائل، كل طريقة تُسْلَك صار يبسا، الماء الجاري السيال يبس في الحال، فلما تكامل موسى، وقومه داخلون، تبعهم فرعون ومن معه، أرض يابسة، طُرُق، فلما خرج موسى ومن معه من الجهة الأخرى، وتكاملوا، وتكامل فرعون ومن معه داخلون، أمر الله البحر بأن يعود إلى حالته، فانطبق على فرعون، وقومه فصارت أجسامهم للغرق، وأرواحهم للنار والغرق، نعوذ بالله.