الصفحة 157 من 339

الشاهد قوله: فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ أثبت الرؤية قالوا: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قال موسى:"كلا"لستم بمدركين، فثبت أن الإدراك غير أيش؟ غير الرؤية، وهي قدر زائد على الرؤية، وهي الإحاطة، لما تراءى الجمعان، ظن بنو إسرائيل أن فرعون سيلحقهم، ويحيط بهم، قالوا: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ البحر أمامنا، فإن خضناه غرقنا، وفرعون ومن معه خلفنا، فإن وقفنا أدركنا، ماذا نفعل: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قال موسى:"كلا"لستم بمدركين: إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ.

فإذن لا منافاة بين الآيتين، واضح هذا، فالآية: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ على ظاهرها إثبات الرؤية، وآية: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ليس فيها نفي الرؤية، وإنما فيها نفي الإدراك، والإدراك قدر زائد على الرؤية، وهو الإحاطة؛ لأن الإنسان قد يرى الشيء، ولا يحيط به رؤية، والله تعالى أعظم وأجل وأعلى من أن يحيط به العباد، ما يحيط به رؤية مستلزمة لمعرفة الكل.

واضح هذا كما أن الله -سبحانه وتعالى- يعلم، ولا يُحَاط به علما قال: وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا أثبت العلم، يعني: العباد يعلمون ربهم ولكن وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا لو كان المراد في قوله: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ لا تراه في الدنيا لم يكن في ذلك مدح وكمال لله -عز وجل- والآية سيقت مساق المدح، هذه الآية سيقت مساق التمدح: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ الآية سيقت مساق التمدح.

ولو كان المراد بها نفي الرؤية -لم يكن في ذلك مدح، ولا كمال؛ لأن كون الشيء لا يُرَى ليس فيه مدح؛ لأنه يشارك المعدوم، المعدوم لا يُرَى، هل يمدح المعلوم بأنه لا يُرَى؟ ما يمدح، فلو كان المراد بالآية نفي الرؤية لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ لا تراه لم يكن في ذلك مدح، ولا كمال إنما الكمال إثبات الرؤية، ونفي الإدراك والحقيقية والكنه، فالمعنى لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ يعني: أنه تراه العيون، ولا تحيط به رؤية لكماله، وعظمته، وكونه أعظم من كل شيء، وهو أعلى من كل شيء، وكونه أجل و أعلى وأعظم من أن يدركه العباد.

أما في الدنيا فهذا معروف لا تراه في الدنيا، المعروف أن الله -تعالى- لا يراه أحد في الدنيا، ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم-سئل: هل رأيت ربك يعني ليلة المعراج؟ فقال: نور أنى أراه نور أنى أراه وفي لفظ: رأيت نورا.

وفي حديث أبي موسى الأشعري في صحيح مسلم يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، حجابه النور، وفي لفظ حجابه النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت