الصفحة 158 من 339

إذن لا يراه أحد في الدنيا، ولما سأل موسى الرؤية في الدنيا: قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قال الله -تعالى-: لَنْ تَرَانِي يعني في الدنيا وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا لما تجلى الله للجبل تدكدك ما ثبت، فكيف يثبت البشر الضعيف.

فإذن رؤية الله في الدنيا جائزة عقلا، لكنها غير واقعة شرعا، ولا يستطيع أحد أن يثبت لرؤية الله في الدنيا، ولهذا في الحديث: لو كشفه لأحرقت سبحات وجه ما انتهى إليه بصره من خلقه ما يستطع أحد أن يثبت لرؤية الله، الجبل ما ثبت، لكن في يوم القيامة ينشئ الله الناس تنشئة قوية، يتحملون فيها رؤية الله.

واضح هذا. حتى نبينا -صلى الله عليه وسلم- ليلة المعراج ما رأى ربه على الصحيح، والمسألة فيها قولان لأهل العلم يعني: اتفق أهل السنة على أن الله -تعالى- لا يراه أحد في الدنيا، ولا يخالف في هذا إلا بعض الصوفية، وبعض المشبهة الذين لا يعتد بقولهم، المشبهة الذين يقولون: إن الله يُرَى يمكن أن يُرَى في الدنيا.

بعض الصوفية يقول: كل مكان فيه خضرة، قالوا: لعل فيه ربنا، هؤلاء كفرة، والعياذ بالله، لا عبرة بهم وبما عداهم، فقد أجمعت الأمة على أن الله -تعالى- لا يراه أحد في الدنيا، ولم يخالفوا إلا في نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- ليلة المعراج، فيه خلاف اتفقوا على أن الله تعالى لم يره أحد في الأرض، واتفقوا على أن غير النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يره، لم يره خلافه باتفاق.

واختلفوا في رؤية نبينا -صلى الله عليه وسلم- ربه ليلة المعراج خاصة، لا في الأرض، ليلة المعراج في السماء، هل رأى ربه بعين رأسه؟ على قولين لأهل العلم: القول الأول: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى ربه بعيني رأسه.

والقول الثاني أنه رآه بعين قلبه، ولم يره بعين رأسه، وهذا هو الصواب الذي عليه جماهير الصحابة والتابعون، ولما سئلت عائشة -رضي الله عنها- لما سألها مسروق قال: هل رأى محمد ربه؟ قالت: لقد وقف شعري مما قلت، ثم قالت: من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب.

ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجه ما انتهى إليه بصره من خلقه والرسل من خلقه، ولقول الله عز وجل: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ.

وجمع المحققون من أهل العلم بين الرواية التي فيها إثبات الرؤية، والرواية التي فيها نفي الرؤية؛ لأنه روي عن ابن عباس في الرؤية أن محمدا رأى ربه، وروي عن الإمام أحمد، لكن الجمع بينهما أن الرواية التي فيها إثبات الرؤية، محمولة على رؤية القلب، وأنه رأى ربه بقلبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت