والروايات التي فيها نفي الرؤية محمولة على رؤية العين، فما جاء من النصوص أن النبي لم ير ربه، يعني بعين رأسه، وما جاء من النصوص، والآثار أن النبي رأى ربه يعني: بعين قلبه، وبهذا تجتمع النصوص، ولا تختلف.
ثم أيضا الرؤية، رؤية الله في الدنيا من النعيم، لا تكون لأهل الدنيا، من نعيم أهل الجنة خاصة، فالمؤمنون يوم القيامة يتنعمون برؤية الله، أعظم نعيم يعطاه أهل الجنة هو أيش؟ هو رؤيتهم لربهم -عز وجل- حتى إنهم إذا رأوا الله نسوا كل ما هم فيه من نعيم.
فرؤية الله نعيم ادخره الله لأجلنا، فلا يكون لأهل الدنيا، ما يمكن لأحد يراه في الدنيا، نعيم خاص لأهل الجنة، واضح هذا، فإذن فالخلاصة أن رؤية الله -تعالى- في الدنيا جائزة عقلا، لكنها غير واقعة شرعا، جائزة يعني: غير مستحيلة.
والدليل على أنها جائزة عقلا، يعني: لا يحيلها العقل أن موسى سأل ربه قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ وموسى ما يسأل شيئا مستحيلا، ولكنها غير كائنة في الدنيا، ولو كانت ممتنعة لأنكر الله على موسى كما أنكر على نوح حين سأله نجاة ابنه لما سأله: فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي.
قال الله: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ولأن الله لم يقل لا أُرى، ولا تمكن رؤيتي أو رؤيتي مستحيلة: قَالَ لَنْ تَرَانِي يعني: لن تراني في الدنيا ببشريتك الضعيفة واضح هذا، فإذن رؤية الله في الدنيا جائزة عقلا غير مستحيلة، لكنها غير واقعة شرعا.
وأما في الآخرة فهي جائزة عقلا، وواقعة شرعا، من أقوى الأدلة على أن الله -تعالى- لا يراه أحد في الدنيا ما ثبت في صحيح مسلم، وصحيح ابن خزيمة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا فإذن هذه الآية، وهي قوله تعالى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ليس المراد بها نفي الرؤية، وإنما المراد بها نفي الإدراك؛ لأنها سيقت مساق المدح.
ولو كان المراد بها نفي الرؤية لما كان في ذلك مدح؛ لأن المعدوم هو الذي لا يُرَى، والكمال في إثبات الرؤية نفي الإدراك؛ لأن النفي المحض ما يأتي في صفات الله، ما يأتي إلا النفي الذي يستلزم إثبات ضده من الكمال.
فالمعنى أنه يُرَى ولا يحاط به رؤية، كما أنه يعلم، ولا يُحَاط به علما قوله: وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا يعني: لكمال عظمته، فكونه أعظم من كل شيء لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ لكونه أعظم من كل شيء، وأعلى من كل شيء لَا تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لكمال قوته واقتداره وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا لكمال عدله لا شريك له، ولا ولد، ولا صاحبة لكمال ربوبيته، وهكذا فالنفي الذي يأتي من صفات الله ليس نفيا محضا، وإنما هو يستلزم إثبات ضده من الكمال.