ما يأتي النفي المحض، النفي المحض: الصرف، هذا ما فيه مدح، المدح إنما هو في النفي الذي يستلزم إثبات ضده من الكمال: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ لماذا لكمال عظمته، وكونه أعظم من كل شيء إثبات ضده وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا فيه إثبات الضد لكمال عدله لَا تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لكمال حياته وقيوميته لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ لكمال عظمته، وكونه أعظم من كل شيء.
أما النفي المحض فهذا ذم؛ لقول الشاعر:
قُبَيِّلَة لا يغدرون بذمة ولا ... يظلمون الناس حبة خردل
فهذا يمدحهم، يمدحهم يقول إيه؟ يمدحهم، ولا يذم يقول:
قُبَيِّلَة لا يغدرون بذمة ولا ... يظلمون الناس حبة خردل
"لا يغدرون، ولا يظلمون"هذا مدح لهم؟ يقول: بأنهم لا يغدرون، ولا يظلمون هو يذمهم يقول: لكونهم عاجزين لضعفهم وعجزهم، ولهذا صغَّرهم، قُبَيِّلَة لا يظلمون؛ لكونهم لا يستطيعون الظلم لضعفهم، وعجزهم، ولا يظلمون الناس حبة خردل كذلك لعجزهم، وإنما يمدح كون الإنسان لا يظلم إذا كان قادرا على الظلم، ثم ترك الظلم إذا كان عاجزا قادرا على الغدر، ثم ترك الغدر، أما إذا كان عاجزا ما يكون مدحا.
والشاعر الآخر يذم قومه، ويهجو قومه، الشاعر الجاهلي لما أُخِذَت إبله، واستنصر بهم، ولم يجد منهم نجدة قال، يتمنى أنه من قبيلة أخرى يستنجد بها وتنجده قال:
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبان
إذن لقام بنصري معشر خشن ... عند الحفيظة إن ذودوا فخلانا
لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ... ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا
"لكن قومي"هذا الشاهد:
لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ... ليسوا من الشر من شيء وإن هانا