وبعد ذلك أما قوله: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى فهو جائز في اللغة، المعنى واحد، وقد تعلق باللفظة الأولى بعض الناس.
قوله:"فهذا في مجاز اللغة".
المعنى فيما يجوز، في اللغة، وليس المراد به المجاز المحدث، وهو المقابل للحقيقة، وقد تعلق بهذه اللفظة أهل المجاز وقالوا: إن الإمام أحمد -رحمه الله- يقول بالمجاز. قيل لهم: كيف يقول الإمام أحمد بالمجاز؟ قالوا: قال الإمام أحمد: فهذا في مجاز اللغة.
قد غلطوا في هذا، نقول: ليس مراد الإمام أحمد في مجاز اللغة يعني المجاز الذي يقابل الحقيقة، لا، المراد فيما يجوز في اللغة.
أما المجاز الذي يقابل الحقيقة فهذا محدث بعد الأئمة الأربعة، لم يعرف المجازَ السلف، لم يعرفه الصحابة والتابعون والأئمة الأربعة، ما عرفوا المجاز، إنما المجاز كان بعد ذلك، لكن تعلق بعض الناس بهذه الكلمة من الإمام أحمد بقوله: فهذا مجاز اللغة، فقالوا: الإمام أحمد يقول بالمجاز، وقد غلطوا.
ليس مراد الإمام أحمد بالمجاز الذي يقابل الحقيقة، إنما مراده: ما يجوز في اللغة، أما المجاز فهذا محدث أحدثه بعد ذلك كثير من المتكلمين، ومن البلاغيين من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم، فقالوا: اللغة العربية فيها مجاز، وقالوا: القرآن فيه مجاز، والسنة فيها مجاز، وأبطلوا بذلك النصوص؛ نصوص الصفات.
وقالوا: إن قول الله -تعالى-: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مجاز يراد به الاستيلاء، ينزل ربنا كل ليلة مجاز المراد ينزل أمره، أو تنزل رحمته، أو ينزل الملك، وهكذا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ قالوا: هذا مجاز ليس لله يدان، مجاز عن النعمة والقدرة.
فإذن المجاز محدث لم يعرفه العرب الأوائل، ولم يعرفه الصحابة، ولم يعرفه الأئمة الأربعة، ولا يوجد ولا لفظة للأئمة الأربعة في إطلاق المجاز إلا هذه اللفظة التي تعلق بها بعض الناس وقالوا: إن الإمام أحمد يقول بالمجاز، فهو في مجاز اللغة.
ومراد الإمام أحمد: فيما يجوز في اللغة، مثل العبارة التي بعدها فهو جائز في اللغة.
واضح هذا؟.