قال الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني -رضي الله عنه، وأثابه الجنة وغفر لنا وله بمنه وكرمه آمين-: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل. أخبرنا أبو الطاهر المبارك بن مبارك بن معطوش في كتابه: أن أبا الغنم أن محمد بن محمد بن أحمد ابن المهدي بالله أجاز له أن أبا القاسم عبد العزيز علي الأسدي، أجاز لهم عن أبي بكر عبد العزيز المعروف بغلام الخلال، قال: أنبأ أبو بكر الخلال، قال: أخبرنا الخضر بن مثنى الكندي، قال: أنبأنا عبد الله بن أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى - قال: هذا ما أخرجه أبي -رحمه الله - في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله، قال أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى ورضي عنه:. ..
الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتل لإبليس فقد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس! وأقبح أثر الناس عليهم! ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عقال الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبّهون عليهم -فنعوذ بالله من فتن الضالين.
هذه هي خطبة الإمام أحمد -رحمه الله - في هذه الرسالة، وهي خطبة عظيمة، ما زال العلماء ينقلونها في كتبهم ويستشهدون بها، كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم من أهل العلم. كثير من أهل العلم يستشهدون بهذه الرسالة، قال الإمام أحمد في رسالة الرد على الزنادقة:"الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم ..."ويسردونها. فهي خطبة عظيمة، واستشهاد العلماء من أهل السنة والجماعة ونقل هذه الرسالة في كتبهم أيضًا من الأدلة التي تثبت نسبة هذه الرسالة للإمام -رحمه الله-. قوله:"الحمد لله الحمد": هو الثناء على المحمود في صفاته وأعماله مع حبه وإجلاله وتعظيمه، هذا هو الحمد: ثناء على الصفات وعلى الأعمال والأفعال مع حبه وإجلاله وتعظيمه، بخلاف المدح: فإنه ثناء بدون حب وإجلال، فأنت تمدح الأسد فتقول: قوي العضلات، ولا تحب الأسد، تمدح الأسد ولا تحبه، فهذا هو الفرق بين المدح وبين .. إيش؟ وبين الحمد. المدح: ثناء وإخبار بالصفات، لكن لا يلزم أن يكون معه حب وإجلال وتعظيم.
أما الحمد فهو ثناء في الصفات الاختيارية الجميلة والأفعال مع الحب والإجلال؛ ولهذا جاء الحمد. .الله تعالى وصف نفسه بالحمد ولم يصف نفسه بالمدح، الحَْمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمَيِنَ، ولم يقل: أمدح الله رب العالمين. الحمد: ثناء على الله -عز وجل - مع حبه وإجلاله وتعظيمه -سبحانه وتعالى. والحمد أعم من الشكر من وجه وأخص من وجه، فالحمد والشكر بينهما عمومٌ وخصوصٌ وجهي، يجتمعان في شيء، ويختلفان. فالشكر يكون بالقلب وباللسان