وبالجوارح، هذا أعم، من هذه الجهة يكون الشكر أعم؛ ولهذا قال سبحانه: اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ. فالشكر يكون بالقول ويكون بالعمل، ويكون باللسان وبالقلب وبالجوارح، أما الحمد فإنه يكون باللسان مع اعتقاد القلب، مع القلب؛ ولهذا قال الشاعر:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا
والحمد أيضًا يكون في مقابل الجميل وبدون مقابل، فالله تعالى يُحمد -سبحانه وتعالى-؛ لِمَا اتصف به من الصفات العظيمة؛ ولما أنعم به على عباده من النعم العظيمة، خلقهم ووجدهم من عدم، ورباهم بنعمه، وهداهم وعلمهم وأعطاهم السمع والأبصار والأفئدة، فهو -سبحانه وتعالى - يستحق الحمد؛ لما اتصف به من الصفات العظيمة، والأفعال الجميلة، ويستحق الحمد؛ لإنعامه وإفضاله -سبحانه وتعالى. أما الشكر فإنه يكون في مقابل النعمة، تشكر الشخص في مقابل الإحسان، أما إذا لم يكن هناك إحسان فلا يكون هناك شكر، وبهذا يكون الحمد أعم من جهة، وأخص من جهة، الشكر يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح، والحمد يكون باللسان. الحمد يكون في مقابل النعمة، وفي غير مقابل النعمة. والشكر لا يكون إلا في مقابل النعمة.
"الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم"، هذه الرسالة -كما سبق- سماها المؤلف -رحمه الله-:"الرد على الجهمية والزنادقة فيما شكوا فيه من متشابه القرآن وتأولوه على غير تأويله". الجهمية: نسبة إلى جهم بن صفوان السمرقندي، نسبت إليه الجهمية، وهي نفي الصفات عن الله -عز وجل-؛ لأنه أظهر هذه البدعة، وإن لم يكن أول مَن تكلم في هذه البدعة، فإنه سبقه شخص آخر يقال له: الجعد بن درهم، سبق الجهم وتكلم، أول من تكلم ... أول من حُفظ عنه في الإسلام مقالة التعطيل هو الجعد بن درهم. والتعطيل: إنما هو في كلمتين: قال: إن الله لم يكلم موسى تكليمًا، ولم يتخذ إبراهيم خليلًا. لكن هاتين الصفتين ترجع إليهم جميع الصفات، قال: إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، أنكر الخلة والمحبة، وقال: ليس هناك خلة، ليس هناك محبة؛ لأنه لا نسبة؛ لأن المحبة لابد أن تكون هناك نسبة بين المحب والمحبوب، ولا نسبة بين الخالق والمخلوق.
معناه: قطع الصلة بين العباد وبين ربهم، وأنكر أن يكون الله كلم موسى تكليمًا، أنكر التكليم، وإنكاره التكليم معناه إنكار للرسالات والشرائع. الرسالات والشرائع بالكلام، الله تعالى تكلم، أرسل الرسل وأنزل الكتب بالكلام، فإنكار الكلام إنكار للرسائل، إنكار للرسالات والشرائع. فلهذا أفتى العلماء -وهم من التابعين- بقتل هذا الرجل، وأنه يستحق القتل والإعدام، فقتله خالد بن عبد الله القصري أمير العراق والمشرق بواسط، لما أفتاه علماء أهل زمانه -وهم من التابعين- أفتوا باستحقاقه القتل، قتله، وذلك في يوم عيد الأضحى، بعدما صلى العيد صعد المنبر وخطب الناس، وقال في آخر الخطبة -وكان الجعد بن درهم عنده في أصل المنبر مقيدا: ضحوا تقبل