الصفحة 91 من 339

صلى الله عليه وسلم- يحكي نبيًّا ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. ونوح -عليه الصلاة والسلام- أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، مكث يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، يدعوهم ويصبر هذه المدة الطويلة، وهم يردون عليه ردًّا سيئًا، ويقابلونه مقابلة سيئة، ويقولون: إنه مجنون، حتى أخبر الله عنه أنه قال: قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا.

هكذا نبي الله -عليه الصلاة والسلام- يصبر، وأولوا العزم لهم من القوة والتحمل والصبر والجلد ما ليس لغيرهم، حتى قال الله لنبينا -صلى الله عليه وسلم-: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، نبينا -عليه السلام- صبر صبرًا عظيمًا، دعا قومه في مكة، وضعوا على ظهره السلا وهو ساجد - سلا الجاذور -، وأتاه أبو جهل مرة وخنقه -عليه الصلاة والسلام- حتى جاء أبو بكر وأطلقه وقال: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ كسرت رباعيته يوم أحد، وجُرحت وجنتاه، وسال الدم على وجهه -عليه الصلاة والسلام. فالصبر لابد منه، الصبر هو الذي يتحلى به الرسل والدعاة والمصلحون أسوة برسل الله، ومنزلة الصبر من الدين كمنزلة الرأس من الجسد، من لا صبر له لا دين له.

ولهذا قال:"ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى"هكذا، هؤلاء الدعاة وهؤلاء العلماء اتباع الرسل يحيون بكتاب الله الموتى؛ لأن الكافر ميت القلب، فإذا أسلم وآمن وقرأ كتاب الله وآمن به أحياه الله، قال تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا فالكافر ميت القلب، وإن كان يمشي حيًّا بين الناس؛ لأن الحياة الحقيقية هي حياة القلب؛ ولهذا سمى الله القرآن: روحًا؛ لتوقف الحياة الحقيقية عليه، سماه: نورًا؛ لتوقف الهداية عليه، قال سبحانه: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.

ولهذا قال الإمام أحمد -رحمه الله-:"يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله"أهل العمى، هكذا الجاهل والضال والكافر أعمى القلب، وإن كان يبصر؛ لأنه لا يرى الحق ولا يعمل به، والعمى في الحقيقة عمى القلب ليس عمى البصر؛ لأن الإنسان إذا عمي بصره وقلبه حيّ ودينه صحيح فلا يضره، قال الله تعالى: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ، وقال سبحانه: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. يقول الإمام أحمد -رحمه الله-:"فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه"كم: للتكثير يعني: كثير، كم من قتيل، كم من شخصٍ قتله إبليس فأحياه أهل العلم، كيف قتله إبليس

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت