الصفحة 163 من 377

قال - رحمه الله تعالى: وقال ابن ماجه، أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن زياد بن لبيد، قال: ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا، فقال:"ذلك عند أوان ذهاب العلم، قلت: يا رسول الله! وكيف يذهب العلم، ونحن نقرأ القرآن، ونقرئه أبناءنا، ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ فقال: ثكلتك أمك يا زياد! إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أو ليس هذه اليهود والنصارى، يقرءون التوراة والإنجيل، لا يعملون بشيء منها".

ـــــــــــــــــــــــ

الحمد لله، وصلى الله، وسلم، وبارك على عبده ورسوله، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهداه، هذا الحديث، مع الحديث الآتي، وهو شاهد له في بيان لما تقدم من أنها لا تقوم الساعة، حتى يرفع العلم، ففي هذا الحديث أن الرسول - عليه الصلاة والسلام - ذكر شيئا، فقال: يرفع العلم. فقال له زياد: كيف يرفع العلم، ونحن نقرأ القرآن، ونقرئه أبناءنا، وأبناؤنا يقرئونه لأبنائهم إلى يوم القيامة؟ جيلا بعد جيلا، كما هو الواقع، ولله الحمد، الآن نحن وصل إلينا القرآن بهذه الطريقة، كل جيل يتلقى ذلك العلم عمن قبله.

فقال: يا زياد، إني لأرى أنك من أفقه رجل في المدينة، هؤلاء اليهود، وهؤلاء النصارى، عندهم التوراة والإنجيل، ولم ينفعهم ذلك، لأنهم تركوا العمل به، فرفع العلم لا ينافي وجوده في الكتب والمصاحف، لأن المقصود من العلم، هو وجوده في الصدور، وتحقيقه بالعمل، أما الكتب، فهي لا تفيد شيئا، إذا هجرت، واليهود لم يقفوا عند هجر كتبهم والإعراض، بل تلاعبوا فيها، وحرفوها؛ حرفوا في معانيها، وربما حرفوا في نصوصها وألفاظها {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [1] ومع هذه الأخبار، كما تقدم عن رفع العلم، فقد دلت أيضا النصوص على أن دين الله باق، وهذا العلم محفوظ، القرآن والسنة محفوظان وباقيان، لا في المصاحف فقط، بل هما

(1) - سورة النساء آية: 46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت