105 -وفيهما عن أبي موسى - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( مثَلُ ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا؛ فكانت منها طائفةٌ طيِّبةٌ قبلتِ الماء فأنبتتِ الكَلأ والعُشْبَ الكثير، وكانت منها أجادِبُ أَمسكتِ الماءَ فنفعَ الله بها النَّاس فشربوا وسقوا وزرعوا وأصاب منها طائفةً أُخرى إنَّما هي قيعانٌ لا تُمسكُ ماءً ولا تنبتٌ كلأً، فذلك مثلُ من فقِهَ في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعَلِمَ وعَلَّمَ، ومثلُ من لم يرفعْ بذلك راسًا ولم يقبل هدى الله الَّذي أُرسلتُ بهِ ) ) [1] .
(1) رواه البخاري كتاب العلم (1/ 175) رقم: (79) ، ومسلم كتاب الفضائل (4/ 1787) رقم: (2282) .
هذا الحديث من أعظم الأحاديث التي تدل على فضل العلم وفضل طلب العلم، وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم الذين استقبلوا ما بعثه الله -جل وعلا- به إلى ثلاثة أقسام جعلهم ثلاث طوائف:
الأولى: طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلاء والعشب الكثير الذي ينفع الناس وينفع بهائمهم وهذا إذا نفع البهائم معه شرب اللبن، ومعه زيادة اللحم وزيادة الصوف ومعه، ومعه أشياء كثيرة من المأكول والملبوس وحتى ما يسكن أيضًا، وهذا يدل على أن من قبل العلم وأقبل عليه فعلم وعلم أنه مثل الأرض التي أقبل عليها الناس بأنفسهم يشربون من مائها ويرعون فيها أغنامهم فهي خير لهم دائمًا.
الفئة الثانية: فئة تحفظ الماء لكنها ما تنبت وهذا مثال لمن قبل العلم لكنه حفظه لم يعمل به يعني عملًا كاملًا ولم يفقه حتى علم وإنما حفظ فنقل وهذا داخل في قوله - صلى الله عليه وسلم: (( نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها فرب مُبَلغٍ أوعى له من سامع ) )فمن حفظ العلم ونقله أيضًا داخل في الفضل لكن فضله دون الفئة الأولى بكثير.
وأما الفئة الثالثة: الذين لم يرفعوا بالعلم رأسًا فهم كالأرض القيعان التي لا تنبت كلأً ولا تمسك ماءً لا تنبت فتنفع الناس، وأيضًا لا تمسك ماءً فتنفع الناس فهي لا تحفظ ولا تقبل على العلم للحفظ والمدارسة وكذلك لا تعلم ولا تدعوا إلى الخير فهذه قيعان وهي مذمومة وذلك مثل ما بعثني الله به من العلم والهدى ومثل من فقه في دين الله، فعلِم وعَلَّم هذا الحديث يسمى حديث طالب العلم أو طلب العلم عند طائفة من العلماء وشرح عدة شروح جديرٌ بك أن تطالعها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضرب مثلًا في حقيقتك أنت. من أي فئة المسلم؟ يمكن أن يحدد فئته بهذا الحديث هل هو من الفئة التي قبلت فأنبتت الكلأ والعشب الكثير واستقى الناس وصار مصدر خير. أما من الفئة الثانية التي تحفظ وتنقل لكن لا تعمل ولا تعلم ولا تدعوا وإما أن يكون ممن لا يعلم ولا يعلم قيعان لا يمسك ماءً ولا ينبت كلأً، فهذا مثل عظيم تحتاج فيه إلى تأمل وتدبر ولا شك أن الإيمان يعظم وأركان الإيمان وأصول الأيمان في النفس تعظم بالعلم والتعليم فإذا حصل لك أن تعلم بيقين تعلم العلوم الشرعية وخاصة التوحيد والعقيدة تعلمها بيقين ثم تُعلِّم ذلك للناس بيقين أيضًا دون أن تدخل في ما لا تحسن فهذا من أعظم المراتب والعبد يبارك الله تعالى في علمه وعمله إذا أخلص النية والقصد وأتى ما يحسن وترك ما لا يحسن فإذا زاد على ذلك العلم بالفقه والسنة يعني من جهة الأحاديث وعلَّم أيضًا الحلال والحرام وعلم الناس في ما يأتون وما يذرون فهذا يكون من الربانيين. {وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} جمعوا بين الدراسة والعلم والتعليم.
فطالب العلم نفعه متعدي حتى للجبال والشجر وللبهائم لا شك في سنة من السنين جاء اقتراح من البلدية حيث كثرت الكلاب في الرياض يعني من حوالي ثلاثين أو أربعين سنة تقريبًا فصارت تضايق الناس فأرادت البلدية أن تقتل الجميع جميع الكلاب، وجاء أمر بذلك وكان المفتي العلامة الشيخ الجد الله يغفر له الشيخ محمد بن إبراهيم في ذلك الوقت فوقف فيها وكلم الملك سعود -رحمه الله- وكتب إليه أيضًا في أن الكلاب مثل ما جاء في الحديث أمة من الأمم والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها فاقتلوا منها الأسود البهيم ) ). فنهاه عن قتل الكلاب. فالعالم أو طالب العلم خيره وفضله على البهائم حتى البهيمة التي ستذبح يُعَلِّم كيف تذبح: (( إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته ) )حتى في الشجر قطع الشجر وما يحسن منه وما لا يحسن وسواء كان شجر الحرم أو غيره والجبال وما يسمونه الآن البيئة وأثره على البيئة كل هذا يُرجع فيه إلى أهل العلم، فصاحب العلم وطالب العلم فضله على الجميع. ننهى أيضًا عن التلهي في الصيد يذهب يصيد للهو يخرج يصيد الطيور أو يصيد الحيوانات للهو هذا أيضًا للعلم فيه كلمة: ينهى عنها أصحابها، اللهو في هذا لا يصح أما الذي يحتاج أن يأكل أو سيأكل ما يصيد فهذا طيب، وأما للهو ثم يرمي هذا ينهى عنه حفاظًا على هذا، فالعالم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في جوف الماء لما له من أثر على الجميع، وأما الكافر أو الفاجر كما قال الله -جل وعلا-: {فأُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ} أي الكافر والمنافق يلعنه اللاعنون حتى يلعنه الجُعْل في جحره مثل ما جاء في تفسير الآية: يقول بسببك منعت القطر من السماء. اهـ.
سؤال: .... ؟
الجواب: لا هذه حفظت بس ذكر المحمود والمذموم يعني ذكر الطائفة الأولى التي علمت وعلَّمت والمثل يقتضي ذلك وذكر الطائفة المذمومة التي لم ترفع للهدى العلم رأسًا.
فائدة: ابن رجب له شرح للحديث مطبوع راجعوه، مستقل وفيه كلمات ونقولات عن السلف حسنة.