106 -ولهما عن عائشة -رضي اله عنها- مرفوعًا: (( إذا رأيتم الذين يتَّبعونَ ما تشابهَ منهُ فأُولئِكَ الَّذينَ سمَّى اللهُ فاحذروهُم ) ) [1] .
(1) من هنا إلى آخر الكتاب كله في ذكر العلم وفي ذكر فضله وطريقة حمله وآداب حملته ومن هم العلماء وفضل أهل الحديث والتحذير من الأخذ بالمتشابه إلى غير ذلك مما سيأتي إن شاء الله تعالى، وهذه الجمل أو هذه الأحاديث والآثار التي ستأتي من أول ما قرأنا إلى آخر الكتاب ثمَّ كتب خاصة ببيانها وتفصيل الكلام عليها وخاصة كتاب الحافظ ابن عبدالبر، [جامع بيان العلم وفضله، وما ينبغي في روايته وحمله] ، وهو جدير أن يعتنى به طالب العلم وأن يقرأه لأنه مشتمل على كثير من هدي السلف في العلم والعمل.
قال الشيخ - رحمه الله تعالى-: ولهما عن عائشة - رضي الله عنها- مرفوعًا (( إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم ) ). اتباع المتشابه مذموم في العلم، فطالب العلم إذا تعلم وأراد أن يقبل وأن ينفعه الله بالعلم يقبل على المحكمات ويترك الإشكالات والشبه وما يرد على المسائل لا يتتبع ذلك؛ لأن تتبعه لذلك قد يفضي به إلى الزيغ والعياذ بالله؛ لأنه لم يتصور العلم حتى يجيب عن تلك الإشكالات والشبه ومن قوة الإدراك والعقل ما يجيب عنها أيضًا فالواجب عليه أن يؤمن بالجميع فيقول: -كل من عند ربنا- ثم يقبل على المحكم فيتعلم المحكم بدليله أي: الذي دلالته واضحة غير محتملة، أو ما لا يشتبه عليه بفهم عالم مأمون يأمنه على دينه وعلمه، والله -جل وعلا- ذكر أن القرآن منه متشابه ومنه محكم فقال - سبحانه وتعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَاوِيلِهِ} .
وهذه الآية من أعظم ما يُحذر به الله -جل وعلا- من اتباع المتشابه لأنه جعل اتباع المتشابه صفة للذين في قلوبهم زيغ بل جعل الزيغ سابقًا للاستدلال واتباع المتشابه فقال سبحانه: {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْه} فجعل وجود الزيغ أولًا، واتباع المتشابه ثانيا.
ش6 وجه أ 23/ 7، 30/ 7/1419
فالعناية بالمتشابهات والجدال فيها هذا ليس من صفة أهل التسليم وليس من صفة المتبعين للمحكم الذين يقولون كل من عند ربنا الذين هم الراسخون في العلم ومن اقتدى بهم.
فإذًا الواجب على طالب العلم في أول طلبه للعلم بل في مسيره في طلب العلم في عمره كله أن يعتني بالمحكمات ولابد أن ترد عليه متشابهات عليه ومشتبهات عليه فيرد ذلك إلى المحكم، فإن علم وإلا قال آمنا به كل من عند ربنا، وأما الذين يتبعون المتشابه ويتركون المحكمات فأولئك الذين في قلوبهم زيغ يترك الواضح ويبدأ يورد أدلة. الله -جل وعلا- جعل من القرآن ما هو متشابه فالقرآن لا يخلو من دليل حتى في مسائل العقيدة لا يخلوا من دليل استدل به المخالفون للحق فالنصارى استدلوا على بقائهم على نصرانيتهم وعلى دينهم بل على ملتهم استدلوا بالقرآن فقالوا: إن الله -جل وعلا- أثنى علينا بقوله -جل وعلا-: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} يقولون أثنى عليهم بأنهم يعرفون الحق وأن أعينهم تدمع وذكر الله أنه غفر لهم إلى آخره ... وأنهم مؤمنون ويقولون أن رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة بالعرب لقوله: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} ولقوله: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} واستدل الخوارج بمتشابهات من القرآن على أن مرتكب الكبيرة يخلد في النار بقوله: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} ، فذكر أن القاتل يخلد في النار، واستدل المعتزلة على قولهم إن الله -جل وعلا- لا يُرى في الآخرة بقوله: {قَالَ لَن تَرَانِي} وبقوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} وكذلك استدل أهل الفجور من الذين يشربون الخمر بأن الله -جل وعلا- ما حرم الخمر وإنما رغب في الانتهاء عنها فقال -جل وعلا- إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ وما قطع فيها بتحريم ... إلى آخره في مسائل كثيرة جدًا يستدل فيها أهل الزيغ ببعض القرآن.
كذلك السنة منها متشابه أيضًا استدل به من استدل على نحلته وعلى طريقته كذلك أقوال الصحابة، وأفعال الصحابة منها متشابه، كذلك أفعال التابعين وأقوال التابعين منها متشابه وكذلك أقوال العلماء سواءً في كتبهم أو فيما نقل عنهم منها محكمات ومنها متشابهات، بل وجود المتشابه في القرآن أقل من وجوده في السنة، ووجوده في كلام السلف وأعمال السلف وجود المتشابه أكثر. ووجوده في كلام أهل العلم في الكتب أكثر وأكثر.
فإذًا إذا صار المرء صار له شيء ونظر. ثم بحث ذهب يجمع يتبع المتشابه ليدلل على نحلته أو طريقته. هذه سمة أهل الزيغ، أما سمة أهل الحق فإنهم يُقبلون على الكتاب والسنة متخلين عن آرائهم، متخلين عن اعتقاداتهم فيقبلون ما جاء في الكتاب والسنة وما أجمع عليه السلف، وما قرره الأئمة من المعتقدات أما يأتي بشيء جديد بتقرير مسائل يبحث. لابد تجد من كلام العلماء من يقول كذا إما مجمل وإما مطلق وإما رأي أخطأ فيه. فليست العبرة بجمع النقول، وليست العبرة بجمع أدلة، وإنما العبرة أن تكون الأدلة راجحة. أن تكون الأدلة محكمة في دلالتها وأن تكون ثابتة أيضًا إذا كانت من السنة. فإذا العبرة ليست بالاستدلال. الاستدلال كل صاحب زيغ استدل من وقت الخوارج إلى يومنا هذا، كل صاحب زيغ استدل، واتبع دليلًا، وظاهر الآية يدل على ذلك {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} يتبعون هم لم يأتوا بشيء من عندهم. يتبعون. يتبعون ما تشابه منه لكنهم تركوا المحكم فاستحقوا الذم، ولماذا تركوا المحكم لأن في قلوبهم زيغًا فتركوا المحكم واتبعوا ما تشابه منه. يستدلون بالمتشابه على زيغهم، وهذا أمر عظيم، واليوم نرى فيما ألف من كتب معاصرة في مسائل تخالف ما قرره أئمة أهل السنة. وما عليه الجماعة قبل أن تفسد الجماعة وما عليه أئمة الحديث وأهل الحق والذين أخذوا بالمحكم وردوا المتشابه للمحكم. اليوم فيه كتب كثيرة ورسائل ونٌبذ ومطبوعات كلها فيها أدلة، وكلها فيها نقول. ليست العبرة بالنقول، ليست العبرة بوجود نوع استدلال. العبرة بموافقة المرء. موافقة طالب العلم، موافقة طالب النجاة في أصول إيمانه وفي العقيدة والتوحيد موافقته للجماعة موافقته للأئمة الذين عرف علمهم وسلامة طريقتهم واتباعهم عُرف اتباعهم لكتاب الله -جل وعلا- وسنة رسوله وطريقة السلف الصالح. هذه مسألة مهمة جدًا، ولا تغب عن بالك، ولو لم تكن وصية في حياتك إلا هذه الوصية فهي وصية عظيمة لنفسي ولكم ليست العبرة بالمؤلفات بالكتب.
العبرة بملازمة الطريقة الأولى قبل أن تفسد الطرق، كثرة الطرق وكثرة المؤلفات ما تصد الواحد، هذه تعتبرها متشابهات إذا صارت على غير ما عليه أهل الحق والجماعة. الآن كلٌ يقرأ وكلٌ يبحث. يفكر في شيء يروح يبحث قال فلان كذا وقال فلان كذا. ليست هذه هي الوجهة. أحيانًا تأتي متشابه؟ يأتي متشابه من كلام أهل العلم. فيتوقف المرء فيه. أما اللي يقول: لا. قال فلان كذا، ويستدل به ونترك المحكمات ونترك الأصول علشان قول لابن تيمية مثلًا في المسألة الذي أصاب - رحمه الله تعالى- في جًل أقواله أو قول للإمام أحمد ونترك به المحكمات ليس صحيحًا أو قول للإمام مالك ونترك به المحكمات ليس صحيحًا. فكيف بمن دونهم من فلان وفلان من الناس. فإذا تنتبه لهذا التأصيل وهو أن الله -جل وعلا- لما جعل كتابه فيه محكم ومتشابه وجب على طالب العلم والراسخ في العلم أن يرد المتشابه إلى المحكم. اشتبه عليك شيء تأخذ بالأصول العامة بالقواعد اللي عليها الأدلة الكثيرة، وهذا خاصة في مسائل التوحيد والعقيدة والأصول أما مسائل الفقه فهي قابلة للأخذ وهو الخلاف إذا كان الخلاف سائغًا أوله مأخذ من الدليل. أما الأخبار بالعقائد فهذه الحق فيها واحد يعني ليس ثم إلا سنة وبدعة ليس ثم إلى هدى وضلال. ما فيه غير ذلك، وجود المتشابه لا يعني صواب من اتبع المتشابه. الله -جل وعلا- سمى من اتبع المتشابه أنه زيغ. يقول - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي بين يديك: (( فإذا رأيتم الذين يتبعون ) )لاحظ كلمة يتبعون (( يتبعون ما تشابه منه ) )هم اتبعوا دليل (( يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله ) )يعني بأنهم أهل زيغ فاحذروهم هم ما يأتون بشيء بدون اتباع يتبعون عقلًا أو دليلًا؟ يتبعون دليلًا لكن هذا الدليل متشابه ليس محكمًا. كيف تعرف المتشابه والمحكم؟
المتشابه هو الذي خالفته الأدلة الكثيرة خالفته القواعد. لم تأخذ به الجماعة لم يأخذ به الأئمة وإنما وجهوه وبينوا معناه. مثل: {فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} بينته السنة مثل: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} هذا بينته آية أخرى في ذلك ومثل: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} هذا خلود مكث طويل ليس أبديًا. ليس مساويًا لهذا؛ لأن الأدلة الكثيرة المتوافرة أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان. من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة. كل أهل التوحيد يدخلون الجنة برحمة الله -جل وعلا- هذه أدلة كثيرة لا نستطيع نترك هذه الأدلة الكثيرة لأجل دليل واحد يوجه نصرف المتشابه يعني الذي اشتبهت دلالته فيه إشكال إلى الواضحات الكثيرة من الأدلة.
كذلك كلام العلماء نصل بعضه إلى بعض ويتضح بعضه من بعض.
سؤال: هل يكون المتشابه نسبي يعني عند شخص دون شخص؟
الجواب: هذا المتشابه ذكرنا لكم أنه في عدة مواضع في شرح الواسطية والطحاوية أن المتشابه المطلق لا وجود له يعني ما يوجد في القرآن والسنة آية أو حديث لا يعلم أحدًا من الأمة توجيهًا. أو معناها. متشابه مطلق ما يوجد، وإنما يوجد متشابه نسبي إضافي، متشابه اشتبه على ابن عباس، اشتبه على عمر المعنى لكن من الصحابة من يعلم المعنى. كلمة الأب اشتبهت على أبي بكر - رضي الله عنه - وهو الصديق لكن علمها غيره (تخوف) اشتبه على عمر علمه غيره، هكذا في غيرها آية اشتبه عليّ لكن فيه من أهل العلم في الزمان من يعلم معناها. يعلم توجيهها قد يكون العالم ما يعرف تأتي عالم تحاجه بمتشابه تقول له والله هذا إيش جوابه؟ فما يعلم جوابه. فهل معنى ذلك أن الذي عليه هو ليس حقًا؟ ليس كذلك؛ لأن المتشابه نسبي يوجد من أهل العلم من يجيب لكن كونه اشتبه على عالم المعنى فردك إلى المحكم وقال هذا أنا ما أدري وما هي وجهتها. لا يعني أنه يتمسك بالمتشابه، فالراسخ في العلم يقول: آمنا به كل من عند ربنا، فكل راسخ في العلم إذا اشتبه عليه شيء فيقول: آمنا به كل من عند ربنا، والله -جل وعلا- ابتلى الناس بهذا، فإذًا مثل ما ذكر الأخ المتشابه ذكرنا لكم مرارًا تفصيل الكلام على هذه الجملة. المتشابه المطلق على الصحيح لا وجود له إنما يوجد متشابه نسبي إضافي يشتبه على فلان دون فلان، ولا يخلو عصر من قائم لله بحجة.
سؤال: هل المتشابه المطلق لا يوجد في عصر من العصور أو في الأمة بأكملها؟
الجواب: ما يوجد في عصر لابد يكون في كل زمان من يعلم هذا معنى، أو هذا ما يدل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم: (( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ) )ظاهرين على الحق يعني أنهم يعلمون الحق. طائفة يصدق أقل شيء على واحد، لابد من وجود من يظهر على الحق، وهو اللي يسميه الأصوليون القائم لله بحجة. هذا تعبير أصولي لا يخلو عصر من قائم لله بحجة ليس في بلد دون بلد يعني في الأرض. في عصر من الأعصار قد تعلمه وقد لا تعلمه. قد تصل إليه وقد تصل إليه.