الحرف الثالث الذي ينصب بنفسه كي وهي حرف مصدر أو حرف مصدري ونصب، ويشترط في النصب بها أن تسبق بلام التعليل سواء كانت هذه اللام ملفوظة، وهو الذي ينبغي وهو الأكثر كما في قوله -تعالى-: لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ لكيلا تأسَوْا: سُبقت كي بلام التعليل فنصب الفعل المضارع الذي بعدها، وهو: تأسوا بحذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، أو أن تكون مسبوقة تقديرًا: كي لا يكون دُولَةً، كما في قوله -تعالى-: كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ فهي على معنى لكيلا يكون دولة.
فإن لم تسبق كي لا باللام الظاهرة ولا باللام المقدرة فهي حينئذ حرف التعليل، ويكون النصب بأن مضمرة بعدها إما جوازًا كما هو رأْي، أو وجوبًا كما هو رأىٌ آخر.
إذًا الناصب الثالث هو كي، ولا بد للنصب بها من أن تُسبق بلام التعليل ظاهرة أو مقدرة، فإن لم تسبق بلام التعليل صارت هي حرف التعليل، وصار النصب بأن مضمرة إما وجوبًا كما يرجح، أو جوازًا كما يراه البعض.
أما أنْ وهي أمُّ الباب وهي الأصل؛ لأنها هي الوحيدة التي تنصب ظاهرة ومضمرة، جوازًا ومضمرة وجوبًا، فهي حرف مصدري ونصب -أيضًا- كما في بعض أخواتها، وأيضا حرف استقبال.
وأنْ كما قلت لكم: يكثر أن تنصب ظاهرة كما في قوله -تعالى-: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ وكما في قوله -تعالى- وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وكما في قوله -تعالى-: أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وكما في قوله -تعالى-: وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ .
... وغيرها من الآيات وهي كثيرة ولا تحصى، ولو طلبت من أي واحد منكم أن يمثل لمَا أعْوَزَهُ المثال من القرآن الكريم.