الصفحة 10 من 137

العدل ثقيل على النفوس، وبخاصة مع المخالفين، لكن الإنصاف أن يجعل المسلم نصب عينيه: { وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا } [1] أو كما قال ابن مسعود - رضي الله عنه - قل الحق ولو قال به عدو بعيد، وقل بأن هذا باطل ولو قال به صديق قريب، أيضًا في قوله - صلى الله عليه وسلم - وما وَلُو، أي: ما تولوا من ولايات، وما قاموا عليه من مسئوليات، نص أو خص هذا؛ لأن عدم العدل هنا يكون فيه الضرر متعديا، وأنت تعلم أن ظلم الاثنين أشد من ظلم الواحد، وأن ظلم العشرة أشد من ظلم الخمسة، ولهذا كان الوعيد للقاضي شديدا إن ظلم، كما أن الوعيد للحاكم السلطان شديد إن ظلم لعظم الضرر المترتب على ظلمهما سواء من القاضي أو من السلطان. كما جاء المدح لمن قضى ولمن حكم بالعدل وبخاصة في حق من يلي أمور الناس من القضاة والسلاطين.

وفيه أيضًا أن العدل متلازم مع الأمانة، العدل لا يكون أو لا يتصور إلا مع الأمانة فيما قضى؛ ولهذا قال بعض العلماء عند قوله تعالى: { إِن خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) } [2] هذه الآية جعلت العمال على أربعة أقسام، قسمة عقلية لا بد منها:

إما أن يكون أمينًا بلا قوة، أو أن يكون قويا بلا أمانة، أو أن يكون لا أمانة ولا قوة، أو أن يكون أمينًا قويا، والعدل أو العادل لا بد فيه من شرطي الأمانة والقوة، بل لا يتصور أن يكون عدلا منفذا إلا بالقوة والأمانة، وفي ذلك أن على دعاة الخير وطلبة العلم أن يحكموا العدل على أنفسهم، قد تحمل على أحد العصاة المسلمين أمرًا في نفسك لخبر شاع عنه أو لمعصية تلبس بها وجهر بها، لكن هذا لا يمنع من العدل معه، وأن يقال أصاب في إصابته وأخطأ إذا أخطأ، أما أن يُستصحَب الحال في بغضه، فيُظلَم، ويجعل الأصل في كلامه الظلم، ويُنحَى عنه العدل فهذا من الجور؛ ولهذا جاء في بعض

(1) - سورة الأنعام آية: 152.

(2) - سورة القصص آية: 26.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت