وقوله: ونحن شببة متقاربون فيه حرص صغار الصحابة وشبابهم على طلب العلم، ناهيك عن كبارهم، بل قد قال بعض أهل العلم: وكثير من الصحابة طلبوا العلم وهم كبار وبخاصة من أسلم كبيرًا، لم يمنعه السن والشيب عن طلب العلم؛ ولهذا بعض الناس يتذرع ويتعذر بعدم طلب العلم باشتعال شيب رأسه، وهذا قد حرم نفسه، فقد يُحصِّل في أيام يسيرة مع صدق النية وقوة العزيمة، ما يضعف عنه من يقوم في سنين عددًا، وإذا بارك الله فلا منتهى لبركته عز وجل.
وقوله: فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلة فيه أن العلم يحتاج إلى مثابرة وإلى مجاهدة للنفس، قال يحيى بن أبي كثير: لا يستطاع العلم براحة الجسد، لا بد من مجاهدة ومن تركِ الترفه والتنعم الزائد،
.ـــــــــــــــ
كان أهل العلم يرحلون الأزمنة الطويلة في طلب إسناد حديث واحد أو في لقي رجل واحد، وكلكم يعلم رحلة شعبة بن الحجاج -رحمه الله- التي طوَّف فيها شهرًا كاملًا لتتبع إسناد حديث كان يرجو صحته، وكذا رحلة أبي حاتم الرازي، وأبي نصر المروزي وغيرهم، ومن قرأ كتاب رحلة في طلب الحديث للخطيب البغدادي، رأى نماذج عليا ومُثلًا تحتذى في قوة العزيمة والمثابرة.
وقوله أيضًا: فأقمنا عنده فيه أصل سكن طلبة العلم بجوار الشيخ، يعني سكن الطلاب بجوار الشيخ سنة ماضية، فمالك وأصحابه -رضي الله تعالى عنهم- أقاموا بجوار النبي - صلى الله عليه وسلم - من باب تسهيل الأخذ عنه. قوله: وكان رحيمًا رفيقًا، فيه عظيم خلق النبي - صلى الله عليه وسلم - ومحبته لطلبة العلم: { بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) } [1] يؤخذ من ذلك رحمة المعلم بتلاميذه، والترفق بمن تعلمه أيا كان، يستفاد أن تعليم العلم للناس وبخاصة من جاءك راغبًا مبتدئًا أن تترفق معه، وأن تتحبب إليه، كما كان ذلك هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - .
(1) - سورة التوبة آية: 128.