وقوله: فلما رأى أنا قد اشتهينا أهلنا أو قد اشتقنا فيه عظيم فطنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقوة فراسته، وفيه أيضًا أنَّ على المعلم أن يحرص على تفقد طلابه، وأن يلاحظ مشاعرهم، أن يرقب مشاعرهم، فبذا وذاك تعرف ما يدور بإذن الله في نفوس طلابك، رأى النبي -عليه الصلاة والسلام- عليهم بوادر أو قرائن تدل على شوقهم واشتياقهم واشتهائهم للعودة إلى أهليهم، فقال ارجعوا، حقق ما في أنفسهم، قد يستحي الطالب منك، قد يكون محتاجًا، فيمنعه حياؤه وهيبتك من سؤلك المال، قد يكون مشتاقًا للرجوع لكن يمنعه الحياء، وكلما كان المعلم على حرص، وعلى تفقد، وعلى سؤال قد يوكل المعلم أحد الطلاب لتفقد مشاعر الطلاب لحاجياتهم، يمنعه الحياء، الحياء قد يمنع أحيانًا من سؤال المعلم، ألم يقل علي - رضي الله تعالى عنه - كنت رجلًا مذاء فاستحييت من سؤال النبي -عليه الصلاة والسلام- لمكان ابنته مني فأمرت المقداد فسأله، فالطالب قد يستحي من معلمه، وعلى المعلم أن يعنى
.ـــــــــــــــ
بهذا الأمر بالتفقد والسؤال، والبحث من طرف خفي، قد يسد خلة محتاج أو يحقق رغبة محتاج بأمر يسير.
وقوله: سألنا عمن تركنا بعدنا فأخبرناه فيه أن عناية المعلم لا تكن بالطالب فحسب، بل بأهله بالسؤال عن والديه، بالسؤال عن حاله عن أولاده إن كان له أولاد، بالسؤال عن أموره، فهذا يحبب الطالب إلى المعلم، ومن باب أولى لازم ذلك أن يحب الطالب العلم، فإذا علم الطالب أن المعلم يعنى به ويهتم ويسأل عنه كما كان النبي عليه الصلاة والسلام، زاد حب الطالب وتعلقه بمعلمه، أما إذا كان المعلم لا يسأل ولا يهتم ولا ينظر، فإن ذلك قد يكون سببًا رئيسًا في نفور الطلاب أو في عدم تحصيلهم أو في عدم أخذهم من معلمهم.