من هذا أن الجهل أمر وجودي وهو الناشئ عن الحجاب الحائل بين الروح والمعاني الدقيقة حتى صارت لا تدركها إلا بالتفكر وخرق الحجب العادية لمن وفقه الله تعالى وبه أستعين. ...
حَتى بَدَتْ لَهُمْ شُمُوسُ المَعْرِفهْ ... - ... رَأَوْا مُخَدَّراتِها مُنْكَشِفَهْ
هذا البيت من تمام ما قبله بين فيه ثمرة رفع الحجاب عن قلوب أولي الألباب، والمعنى حط عنهم ذلك حتى انتهى بهم الأمر إلى أن ظهرت لهم شموس من الأفهام والمعارف فنظروا مخدرات عرائس المعاني واللطائف. وقولنا رأوا مخدراتها على حذف مضاف أي رأوا مخدرات عرائس المعرفة منكشفة؛ وهذا النوع من المجاز الذي يعرف بلزوم تقييده كجناح الذل؛ والخدر الستر قال امرؤ القيس:
ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة ... - ... فقالت لك الويلات إنك مرجلي
والضمير في قوله رأوا عائد أيضا لأرباب الحجا؛ وهذا البيت نظير قولنا في الأرجوزة الموسومة بالزهرة السنية:
فأصبحت شمس القلوب مشرقه ... - ... وبجلال ربها محققه
نَحْمَدُهُ جَلَّ عَلى الإِنْعامِ ... - ... بِنِعْمَةِ الإِيمانِ وَالإِسْلام
عبر بالمضارع في نحمده دون الماضي إشعارًا منه بدوام الحمد واستمراره إذ هو مشعر بالثبوت، والماضي بالانقطاع؛ وقوله على الإنعام متعلق بنحمده، وجلّ بمعنى عظم، والحمد هنا مقيد. ولا شك أن من أجل النعم التي يجب أن يحمد عليها تبارك وتعالى نعمة الإيمان والإسلام، إذ هي محل الفائدة ونجاة العائده نسأله سبحانه أن يختم لنا بأكمل حالات الإيمان والإسلام وبالله التوفيق. ...
مَنْ خَصَّنا بِخَيْرِ مَنْ قَدْ أَرْسَلا ... - ... وَخَيْرِ مَنْ حَازَ المَقامَاتِ العُلَى
هذا إقرار بنعمة أخرى من أعظم النعم التي يجب علينا أن نحمد الله تعالى عليها وهي أن جعلنا من أمة سيد أهل السموات والأرض رئيس الأشراف وسلطان الموقف - تسليمًا كثيرًا لأنه خيرة المرسلين وأمته خير الأمم، قال الله تعالى - كنتم خير أمة أخرجت للناس - الآية، وقال - وكذلك جعلناكم أمة وسطًا - الآية؛ ومن في قولنا من خصنا موصولة خبر مبتدأ محذوف أي هو الذي خصنا ثم فسره - باسمه الأعظم بقوله: