في هذين البيتين إشارة إلى تعريف المنطق وثمرته وفيه خلاف فمن قال إنه آلة عرّفه بأن قال: المنطق آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر.
فقولهم"مراعاتها"تنبيه على أن المنطق نفسه لا يعصم الفكر بل بقيد المراعاة إذ قد يخطئ المنطقي لذهوله عن المراعاة، كما أن النحوي قد يلحن لذهوله أيضًا.
ومن قال إنه علم قال: المنطق علم يعرف به كيفية الانتقال من أمور حاصلة في الذهن لأمور مستحصلة فيه؛ وهذا الخلاف حكاه في المطالب وهو لفظي وبالله سبحانه وتعالى التوفيق.
فهَاكَ مِنْ أُصُولِهِ قَواعِدا ... - ... تَجْمَعُ مِنْ فُنُونِهِ فَوائِدا
سَمَّيْتُهُ بِالسُّلَّمِ المُنَوْرَقِ ... - ... يُرْقَى بِهِ سَماءُ عِلْمِ المَنْطِق
هاك بمعنى خذ، والقاعدة ما يبنى عليه الشيء، والفنون الفروع، والضمير في سميته عائد على التأليف المفهوم من السياق، والسلم المعراج وهو في الحس ما له أدراج ليتوصل به إلى سطح وشبهه، قال تعالى - أو سُلَّمًا في السماء -؛ وهو في المعاني كل ما يتوصل به من قريب إلى بعيد، وهو المراد هنا على أنه حقيقة في الحس مجاز في المعاني، ووجه العلاقة هنا أن هذا التأليف لصغر جرمه وقربه وسهولة فهمه بالنسبة إلى غيره من مصنفات المنطق الصعبة المطولة بمثابة السلم الذي يرقى به من أرض إلى سماء لأنه يعين على فهمها والدخول في علمها.
قلت: المراد أن هذا الكتاب سلم لغيره من كتب المنطق كما مر، وأيضا فإن المنطق منه سهل ومنه صعب، فالمعاني السهلة سلم للصعبة فلا اعتراض.
والمرونق: المزين، قال الشاعر: ...
فهذا عليه رونق الخط وحده ... - ... وهذا عليه رونق الخط والملك
وَاللَّهَ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَالِصَا ... - ... لِوَجْهِهِ الكَريمِ لَيْسَ قالِصَا
وَأَنْ يَكونَ نافِعًا لِلْمُبْتدي ... - ... بِهِ إِلى المُطَوَّلاتِ يَهْتدي
اسم الجلالة منصوب على التعظيم بأرجو، والقالص: الناقص
ولما كان هذا الكتاب سببًا إلى المطولات وسلمًا يرقى به من هذا الفن درجات وبابًا يدخل به من هذا الفن على المخدَّرات قلت في آخر البيت الثاني: (به إلى المطولات