الصفحة 9 من 48

هذا معنى قولهم التصديق بسيط على مذهب الحكماء ومركب على مذهب الإمام، فمذهب الحكماء أن التصديق من قولك العلم حادث مجرد إدراك نسبة الحدوث إلى العالم، ومذهب الإمام أنه المجموع من إدراك وقوع النسبة وتصور العالم والحدوث والنسبة.

ثم التصديق جازم وغير جازم،

فالأول: إن لم يقبل التغير فعلمٌ كالحكم بأن الجبل حجر والإنسان متحرك؛ وإن قبل فاعتقاد؛ إما صحيح إن طابق كتوحيد المقلدين من المسلمين؛ وإما فاسد إن لم يطابق كاعتقاد المعتزلة منع الرؤية والفلاسفة قدم العالم.

و [الثاني] : غير الجازم ما قارنه احتمال إما ظن إن ترجح على مقابله أو وهم وهو مقابله أو شك إن تساويا.

تنبيه: قال إمام الحرمين: لا يعرّف العلم بالحقيقة لتعذّره بل بالقسمة والمثال؛ وقال الرازي: هو ضروري يستحيل أن يكون غيره كاشفًا له، واختير أنه معرفة المعلوم فيشمل الموجود والمعدوم، قيل ولا يضر الاشتقاق هنا حتى يلزم الدور. انتهى

قوله (وقدم الأول عند الوضع) البيت هذا من الترتيب العقلي يعني أنه يجب تقديم التصور على التصديق وضعًا كما أنه مقدم عليه طبعًا، لأن كل تصديق لا بد معه من تصوّر إذ الحكم على الشيء فرع عن تصوّره.

فإن قلت: ما ذكرته من منع تقديم التصديق على التصوّر قد نقله ابن الحاجب في تأليفه الفرعي والشيخ ابن أبي زيد وغيرهما. قلت: أجابوا عن ذلك بأجوبة منها أن المطلوب إنما هو مطلق الشعور لا تحصيل كل الماهية، وذلك يحصل بالحكم، ومنها أن المطلوب التصوّر الذهني وقد حصل وبالله التوفيق. ...

وَالنَّظَريْ ما احْتاجَ لِلتَّأَمُّلِ ... - ... وَعَكْسُهُ هُوَ الضَّروريُّ الجَلي

أعني أن العلم الحادث قسمان ضروري ونظري، فالضروري ما يدرك بديهةً بلا تأمل كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين والنار محرقة، والنظري ما يحصل بالنظر والاستدلال كالعلم بأن الواحد عشر عشر المائة وبأن العالم حادث.

تنبيه: في العلوم مذاهب ثالثها أن بعضها ضروري وبعضها كسبي، وفصل في المطالع بين التصور فجعله ضروريًا وبين التصديق فجوّز فيه الأمرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت