فهرس الكتاب
ثم لا تَطمَعْ بأنَّ للحسَنَ قاعدةً تندرجُ كلُ الأحاديثِ الحِسانِ فيها ، فأَنَا على إِياسٍ من ذلك ، فكم من حديث تردَّدَ فيه الحُفَّاظُ ، هل هو حسَنُ أو ضعيفُ أو صحيح ؟ بل الحافظُ الواحدُ يتغيَّرُ اجتهادُه في الحديث الواحد ، فيومًا يَصِفُه بالصحة ، ويومًا يَصِفُه بالحُسْن ، ولربما استَضعَفَه . وهذا حقٌّ ، فإنَّ الحديثَ الحَسَنَ يَستضعفه الحافظُ عن أن يُرَقِّيَه إلى مرتبةُ الصحيح ، فبهذا الاعتبارِ فيه ضَعْفٌ مَّا ، إذْ الحَسَنُ لا ينفك عن ضَعْفٍ مَّا ، ولو انفَكَّ عن ذلك لصَحَّ باتفاق ، وربما كان صنيع الذهبي رحمه الله في نقده لحديث الطير وإنكاره على الحاكم تصحيحه ، ثم توقفه بعد ذلك في الحكم على الحديث (لما هاله كثرة طرقه) ، خير مثال لتغير الإجتهاد الذي أشار إليه الذهبي آنفا .
ومما ينبغي التنبيه عليه هو أن التعاريف المتقدمة هي تعاريف اصطلاحية ، وضعها المتأخرون لحد الحسن ، وأما استعمال الحسن عند المتقدمين فقد أخذ صورا تختلف عن صور المتأخرين الإصطلاحية ومن أهم الأمثلة على استخدام المتقدمين للفظ الحسن:
استخدام ابراهيم النخعي للفظ الحسن فقال: (كانوا إذا اجتمعوا يكرهون أن يخرج أحدهم حسان حديثه) فاستخدمه في هذا الموطن ليعبر عن الغرائب التي هي مظنة الكذب ، وهذا معنى مختلف تماما عن المعنى الإصطلاحي للحسن .
استخدام شعبة لهذا اللفظ في وصف أحاديث عبد الملك بن أبي سليمان حيث قال: (من حسنها فررت) وهذا استخدام مقارب لإستخدام إبراهيم السابق
وممن استخدم هذا اللفظ ، الشافعي ، فوصف حديثا لمحمد بن يحيى بن حبان عن واسع بن حبان عن ابن عمر رضي الله عنهما بأنه (حديث مسند حسن) ، وظاهر هذا اللفظ يوحي أن الشافعي يحكم على الحديث بأنه صحيح وصالح للإحتجاج ، والله أعلم .
استخدام هذا اللفظ بمعنى حسن الإستدلال بالحديث في مسألة ما ، وقد ورد هذا في كلام أحمد .