فهرس الكتاب
ونقل ابن عبد البر في التمهيد (1/8) هذا القول عن قوم كثير من أهل الأثر ، وبعض أهل النظر ، منهم الحسين الكرابيسي وغيره ، وذكر ابن خويز منداد أن هذا القول يخرج (من التخريج) على مذهب مالك ، وهذا أمر بدهي ، فمالك يحتج بالمرسل ، فكيف بالمتصل إذا صح سنده ؟ ، وإليه ذهب ابن حزم ، وبه أخذ ، حيث قال: إن خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجب العلم والعمل معا ، واستدل لذلك بقوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} ، وقوله تعالى: {إن يتّبعون إلاّ الظّنّ وإنّ الظّنّ لا يغني من الحقّ شيئًا} ، وعلى هذا يكون الظن مذموما ، وقد علق الصنعاني على هذا بقوله: إنه يفيد الظن ، واستدل بحديث (( لا يموتنّ أحدكم إلاّ وهو يحسن الظّنّ بالله عزّ وجلّ ) )وليس كل الظن ممقوتًا ، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: (( إذا شكّ أحدكم في صلاته فليتحرّ الصّواب ) )، أي: مبناها على التحري (أي على غالب الظن) ، وهي من أشرف العبادات ، ويقول أيضًا في شأن بيان العمل بالظن: (( إنّكم تختصمون إليّ ، ولعلّ بعضكم ألحن بحجّته من بعض ، فمن قضيت له بحقّ أخيه شيئًا ، فإنّما أقطع له قطعةً من النّار ) )، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد يحكم بغير العلم ، ويحكم بالظن ، ويجوز أن يكون في حكمه مصيبًا وأن يكون مخطئًا ، وأضاف الشيخ مقبل رحمه الله قيدا مهما لرأي ابن حزم ، فقال: الصحيح أن الحديث إذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجب قبوله ، ونقول يجب قبوله ولا نقول: يجب العمل به ، لأن العمل قد يكون واجبًا ، وقد يكون محرمًا وقد يكون مكروهًا، وقد يكون مستحبًّا، وقد يكون مباحًا ، ونقل ابن حزم هذا الرأي عن داود الظاهري والحارث بن أسد المحاسبي ، كما في كتابه (الإحكام في أصول الأحكام) ، ويعلق الشيخ الدكتور أبو الفضل عبد السلام بن محمد بن عبد الكريم حفظه الله ، على رأي ابن حزم ، في بحثه"التجديد والمجددون في أصول الفقه"، هامش ص122 ، بقوله: من يراجع أدلة ابن حزم في أن خبر الآحاد يفيد القطع واليقين يجد أنه لا يخالف في إثبات أنه من حيث الواقع ظني في نفسه ، ولكنه يرى أنه قطعي باعتبار أن الله قد ضمن حفظ دينه ، فالخطأ منفي بقدر الله عن الأخبار الشرعية بخاصة ، وإن كان واردا فيما سواها ، (راجع الإحكام ، 1/121) . ونقل الشيخ أحمد شاكر في الباعث الحثيث ، اختيار ابن الصلاح للقطع بصحة ما أخرجه الشيخان في