فهرس الكتاب
وأشار أبو المظفر السمعاني إلى أن القول بأن أحاديث الآحاد لا تفيد العلم أو العمل قول محدث لا أصل له ، فهو من بدع الجهمية والمعتزلة لرد أحاديث الصفات التي تخالف مذهبهم المنحرف في نفي صفات الباري عز وجل ، ومعظمها أخبار آحاد ، فقال: وهذا رأس شغب المبتدعة في رد الأخبار ، وطلب الدليل من النظر والإعتبار ، وقال في موضع آخر: وإنما هذا القول الذي يذكر أن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال ، ولا بد من نقله بطريق التواتر لوقوع العلم به ، شيء اخترعته القدرية والمعتزلة ، وكان قصدهم منه رد الأخبار ، وتلقفه منهم بعض الفقهاء الذين لم يكن لهم علم في العلم وقدم ثابت ، ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول ، ولو أنصف الفرق من الأمة لأقروا بأن خبر الواحد يوجب العلم ، فإنهم تراهم مع اختلافهم في طرائقهم وعقائدهم يستدل كل فريق منهم على صحة ما يذهب إليه بالخبر الواحد ، ونبه إلى خطورة هذا القول ، لأنه في النهاية يؤدي إلى جرح الصحابة رضي الله عنهم ، الذين هم نقلة هذه الأخبار عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهذا ما حدث فعلا من بعض رؤوس البدع ، كعمرو بن عبيد الذي كان يشتم الصحابة رضي الله عنهم ، حيث قال: فإذا قلنا: أن خبر الواحد لا يجوز أن يوجب العلم ، حملنا أمر الأمة في نقل الأخبار على الخطأ ، وجعلناهم لاغين ، مشتغلين بما لا يفيد أحدا شيئا ، ولا ينفعه ، ويصير كأنهم قد دونوا في أمور ما لا يجوز الرجوع إليه والإعتماد عليه ، وربما يرتقي هذا القول إلى أمر أعظم من هذا ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أدى هذا الدين إلى الواحد فالواحد من أصحابه ، ليؤدوه إلى الأمة ، ونقلوا عنه ، فإذا لم يقبل قول الراوي لأنه واحد ، رجع هذا العيب إلى المؤدي ، نعوذ بالله من هذا القول الشنيع ، والإعتقاد القبيح .
مسألة: ما الفرق بين وسم الحديث بالصحة ووسمه بأنه صحيح في نفس الأمر (أي الجزم بصحة نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) :
وهذه المسألة ذات تعلق كبير بمسألة إفادة خبر الآحاد العلم (القطعي) ، إذا احتفت بها القرائن ، كأحاديث الصحيحين ، والفرق هو: