فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 307

هناك أحاديث كثيرة عند ابن حبان رحمه الله ، يمكن نقدها بداعي النكارة أو العلة القادحة ، ولكنها في نفس الوقت لا تخرج عن شرطه الذي وفى به ، وإن كان لينا ، فخرج ابن حبان من عهدتها ، ولا يمنع هذا من الحكم بنكارتها أو ضعفها ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك ، حديث قصة هاروت وماروت ، وهي قصة مشهورة ، استنكرها أحمد وأبو حاتم ، وقد ثبت أنها من الإسرائيليات التي لا يصح رفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، إلا على منهج ابن حبان رحمه الله في توثيق من لا يعرف ، وعدم اعتبار مخالفة الواحد للجماعة خلافا لجماهير المحدثين .

ولإبن حبان رحمه الله ، تعليقات مفيدة جدا ، في صحيحه ، في الجمع بين الأدلة المتعارضة ، أو الترجيح بينها ، ولعله في هذا يشبه إلى حد كبير شيخه ابن خزيمة رحمه الله الذي برع في هذا الجانب ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك ، كلامه عن حديث طلق بن علي رضي الله عنه وحديث بسرة بنت صفوان رضي الله عنها ، فالأول فيه عدم وجوب الوضوء من مس الذكر ، والثاني فيه وجوب الوضوء من مس الذكر ، حيث قال ابن حبان رحمه الله ، بأن حديث طلق رضي الله عنه ، منسوخ بحديث بسرة ، وأورد في صحيحه ما يدل على أن قدوم طلق رضي الله عنه كان عند بناء مسجد المدينة ثم خرج ولم يعلم له قدوم بعد ذلك ، وأما حديث بسرة رضي الله عنه فقد رواه أيضا أبو هريرة رضي الله عنه وهو متأخر الإسلام ، وهذا يقوي القول بنسخ حديث طلق رضي الله عنه ، وإن كان هذا غير كاف للحكم بنسخ الحديث ، لأن تأخر إسلام راوي الحديث ، وإن كان مؤشرا على صحة هذا الإستدلال ، إلا أنه غير كاف ، كما هو معلوم من علم الأصول ، وقد اشترط الشيخ الشنقيطي رحمه الله في"مذكرة أصول الفقه"، أن يثبت أن وفاة الراوي الأول"للحديث المنسوخ"كانت قبل سماع الراوي الثاني"للحديث الناسخ"، بل إن قول الصحابي: هذا ناسخ لهذا ، غير كاف ، لأنه يرجع إلى نوع من الإجتهاد ، وقد يخطيء فيه ، كما نقل ذلك ابن كثير رحمه الله ذلك عن كثير من الأصوليين ، في اختصار علوم الحديث ، خلاف قوله: هذا كان قبل هذا ، لأنه ناقل عن الأصل ، والصحابي ثقة مقبول الرواية ، كقول أبي رضي الله عنه: كان الماء رخصة في أول الإسلام ، ثم أمر بالغسل . وقد رجح ابن المديني رحمه الله ، حديث طلق رضي الله عنه ، وقال: هو أحسن من حديث بسرة ، وخالفه ابن معين في مناظرة شهيرة بينهما حضرها أحمد بن حنبل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت