فهرس الكتاب
وإما أن يروى معناه من غير وجه وهو الأقرب ، لأن التقوية قد تكون لذات الخبر وقد تكون لمعناه (وغالبا ما يكون ذلك في الحسن لغيره) ، ويدل على ذلك قول الترمذي: وفي الباب عن فلان وفلان ، ويذكر أحاديث بمعنى الحديث الأول أو تتعلق بالمسألة التي يدور حولها الحديث الأول ، ولا تكون هذه الأحاديث بنفس لفظ الحديث الأول . والشيخ حفظه الله بترجيحه التفسير الثاني يؤيد ما ذهب إليه الشيخ أحمد شاكر فيما تقدم .
وقد أثنى العلماء على صنيع الترمذي بتفريقه بين الشرطين الثاني والثالث فلا يكفي أن يرد الحديث من أكثر من وجه حتى يرتفع لدرجة الحسن لغيره فربما كانت هذه الطرق المتعددة معلولة (كأن يكون رواتها متهمين بالكذب) فهي لا تصلح للمتابعة فلا تتقوى ولا يتقوى بها . ومن الأمثلة التي يتضح بها صنيع الترمذي حكمه على حديث علي رضي الله عنه: (من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيا وأن يأكل شيئا قبل أن يخرج) فقد رواه الترمذي (530) وقال حديث حسن وفي اسناده ضعف لكن له شواهد لا يخلو كل منها من ضعف من حديث سعد القرظي وأبي رافع ومرسل سعيد بن المسيب ومرسل الزهري وبمجموع هذا كله فالحديث حسن وقد حسنه الألباني . والمتتبع لأقوال العلماء في صنيع الترمذي في جامعه يتضح له أن هناك بعض التساهل في تصحيح وتحسين الترمذي لبعض الأحاديث ومنهم ابن دحية الذي يقول: كم حسن الترمذي من أحاديث موضوعة وأسانيد واهية . وقال الحافظ الذهبي: لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي ، والترمذي ، كما يقول الشيخ مقبل رحمه الله ، أكثر تساهلًا من ابن حبان ، فالحافظ الذهبي قال في ترجمة كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف وقد ذكر حديث: (( المسلمون على شروطهم ) ): وأما الترمذي فصحح حديثه ، ولهذا لا يعتمد العلماء على تصحيحه ، لأنه ذكر في ترجمة كثير بن عبدالله عن الإمام الشافعي وأبي داود قولهما: أنه ركن من أركان الكذب .
وقال في ترجمة يحيى بن يمان: وقد ذكر في ترجمته حديثًا وهو أنّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى نارًا في المقبرة ، وذهب فإذا هم يحفرون بالليل ودفن في الليل ، قال الذهبي: حسّنه الترمذي ، وفي سنده ثلاثة ضعفاء ، فعند المحاققة غالب تحسينات الترمذي ضعاف ، وجدير بالذكر أن الدفن جائز في الليل لأدلة أخرى ، كما هو معلوم .