اليمامة خيرا أو شرا، فاستبق مجاعة، وكان شريفا، فلم يقتله، وترك سارية أيضا.
فأمر بهما فأوثقا في مجامع من حديد، فكان يدعو مجاعة وهو كذلك، فيتحدث معه، وهو يظن أن خالدا يقتله; فقال: يا ابن المغيرة، إن لي إسلاما، والله ما كفرت; فقال خالد: بين القتل والترك منْزلة، وهي الحبس حتى يقضي الله في أمرنا ما هو قاض، ودفعه إلى أم متمم زوجته، وأمرها أن تحسن إساره.
فظن مجاعة أن خالدا يريد حبسه ليخبره عن عدوه، وقال: يا خالد، لقد علمت أني قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته على الإسلام، وأنا اليوم على ما كنت عليه بالأمس، فإن يكن كذاب قد خرج فينا، فإن الله يقول: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [سورة الأنعام آية: 164] .
فقال: يا مُجاعة، تركت اليوم ما كنت عليه أمس، وكان رضاؤك بأمر هذا الكذاب، وسكوتك عنه، وأنت من أعز أهل اليمامة، إقرارا له، ورضاء بما جاء به، فهلا أبديت عذرا فتكلمت فيمن تكلم؟ فقد تكلم ثمامة فرد وأنكر، وتكلم اليشكري، فإن قلت: أخاف قومي، فهلا عمدت إلي، أو بعثت إلي رسولا؟"."
فتأمل كيف جعل خالد سكوت مجاعة، رضاء بما جاء به مسيلمة وإقرارا; فأين هذا ممن أظهر الرضى وظاهر، وأعان وجد وشمر، مع أولئك الذين أشركوا مع الله في عبادته، وأفسدوا في الأرض؟ فالله المستعان. أهـ (الدرر النجدية)
م: ونقل الحافظ ابن حجر رحمه الله الإجماع فقال: وكلهم أجمعوا على أن أحكام الدنيا على الظاهر والله يتولى السرائر اهـ الفتح 12/ 272، 273.
وقال الشافعي: إنما كلف العباد الحكم على الظاهر من القول والفعل وتولى الله الثواب على السرائر دون خلقه: ألام 1/ 259. وقال: وأحكام الله ورسوله تدل على أنه ليس لأحد أن يحكم على أحد إلا بظاهر. والظاهر ما أقر به أو قامت به بينة وثبتت عليه اهـ. ألام
قال ابن تيمية: والله تعالى لما أمر في الكفارة بعتق رقبة مؤمنة لم يكن على الناس أن لا يعتقوا إلا من يعلموا أن الإيمان في قلبه فإن هذا كما لو قيل لهم اقتلوا إلا من علمتم أن الإيمان في قلبه وهم لم يؤمروا أن ينقبوا عن قلوب الناس ولا يشقوا بطونهم،
فإذا رأوا رجلا يظهر الإيمان جاز لهم عتقه، وصاحب الجارية لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم هل هي مؤمنة إنما أراد الإيمان الظاهر الذي يفرق به بين المسلم والكافر.