الثاني جهل الحال ولم يجهل الحكم، وفرق بينهما. أما جهل الحكم في الشرائع (أي جهل الأحكام التكليفية الخمسة) فهذا يأتي إن شاء الله في الكتاب بعده. أما جهل الحكم بمعنى المنع أي جهل بأنه ممنوع فهذا فيه تفصيل سبق بعضه ويأتي الباقي إن شاء الله. (انتهى كلامه)
مراد المصنف أنَّ جهل الكفر الأكبر ليس كجهل الحال، فمن جهل إنَّ عبادة غير الله شركٌ، فهو كافرٌ ولو لم يقع في الشرك، لأنَّ البراءة من الشرك وأهله من أصل الإسلام ولا يعذر فيها الإنسان بالجهل، ومن جهل أنَّ سبَّ النبي صلى الله عليه وسلم كفرٌ فهو كافر، لأنَّ توقير النبي صلى الله عليه وسلم من من أصل الإسلام ومن لوازم كلمة الشهادة.
أمّا جهل الشرائع الظاهرة والخفية فسيأتي الكلام عليهم في الكتاب الرابع إن شاء الله.
م: قال تعالى (لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم)
ش: تقدمت لك قصة هؤلاء القوم، وهم قصدوا اللفظ والمعنى وجهلوا الحكم في أمثالهم، فلم يقبل عذرهم ولم يكن جهلهم بالحكم مانعًا من تكفيرهم.
وقال الشيخ فك الله أسره في الحاشية: لا تعتذروا هنا جهل الحكم لا الحال والمعنى، قولنا في جهل الحكم مثل قولنا الجهل في الشرك أي فعله.
وقال تعالى (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان)
ش:1 - من جهل المعنى على التفصيل المتقدم في الأبواب السابقة فكلامه لغوٌ ولا يعتبر.
2 -تحصل المؤاخذة باليمين المغَلّظ ولو جهل الإنسان عقوبة حنثه.
م: وقال تعالى (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) .
وعن ابن عباس مرفوعا (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان) صححه ابن حبان والحاكم.
وعند مسلم من حديث أنس في قصة الرجل الذي أخطأ من شدة الفرح قال ابن تيمية(وقد سبق اللسان بغير ما قصد القلب كما يقول الداعي من الفرح اللهم أنت عبدي
00الكلامَ)في تلخيص الرد على البكري ص 244.
ش: تقدم الحديث على الآية الكريمة والحديث مرارًا في أبواب جهل الحال، وذكرها المصنف عنا من باب التذكير بها.
م: وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في تاريخ نجد ص452 المسألة الرابعة إذا نطق بكلمة الكفر ولم يعلم معناها صريح واضح أنه يكون نطق بما لا يعرف معناه وأما كونه أنه لا يعرف أنها تكفره فيكفي فيه قوله (لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) فهم يعتذرون للنبي صلى الله عليه وسلم ظانين أنها لا تكفر اهـ [1]
(1) وهنا أحب أن أختم هذه المسألة بعدة نقاط:
1 -أن مسألة جهل الحال فيما غاب عنك أما الشيء الذي تشاهده أو تسمعه فلا، فهذا لا يقول أنني أجهل حاله. مثال ذلك: إنسانًا أمامك يذبح لغير اللَّه أو يمزق المصحف، أو علماني يسخر بالدين أو المتدينين، أو رجل شرّع قانونًا أمامك تسمع وترى فهذا لا تقل لا أكفره؛ لأنني أجهل حاله إلا إذا ادعى مانعا آخر غير الثبوت من الجهل ونحوه).
2 -أن ظهور الكفر مع قدرته على منعه لا يُعذر بجهل الحال.
3 -أن جهل الحال يزول بزوال الشبهة إذا اتضحت كفريات المرتد واشتهرت.