فهرس الكتاب
[فإن لم يجد سقطت] : إن لم يجد لفقر وعوز ليس عنده ما يشتري به الطعام ويتصدق به على الفقراء سقطت عنه الكفارة، وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما اشتكى له المجامع لأهله في نهار رمضان فلما أتي-عليه الصلاة والسلام- بعرق أمره أن يأخذه وأن يتصدق به فقال: - يا رسول الله - أعلى أفقر مني؟! والله ما بين لابيتها رجل أفقر مني، وفي رواية: أهل بيت أفقر منا، اللابتان مثنى لابة وذلك لأن المدينة بين حرتين وهي التي تسمى في يومنا هذا بالحرة الشرقية والحرة الغربية، والحرة الشرقية كانت تسمى في القديم حرة واقم وهي التي وقعت فيها الواقعة أيام يزيد، وفيها قول قيس الرُّقَّيات:
فإِنْ تَقْتُلُونَا يَوْمَ حَرَّةِ وَاقِمٍ ... فِإنا عَلى الإِسْلاَمِ أَوَّلِ مَنْ قُتِلْ
الثانية حرة الوبرة وهي الحرة الغربية، ومراده ما بين لابتيها يعني ما بين الحرتين الحرة الغربية والحرة الشرقية كأنه يريد المدينة كلها، والسبب في ذلك أن مساكن المدينة كانت لا تجاوز الحرتين فأمره النبي
-صلى الله عليه وسلم - أن يأخذه ويطعمه لأهله، وهذا من رحمة الله - عز وجل - بعباده.
لكن هذه المسألة من خصوصيات هذا الرجل كما نبه العلماء-رحمة الله عليهم-، وإلا لو أنه أُعطي مكتلًا فلا يصح للعالم أن يقول له: خذه إلى أهلك، لو أن إنسانًا جاء يسألك وعليه كفارة، ثم تصدق عليه أحد بمكتل وقال هو فقير، تقول له: تجب عليك الكفارة؛ لأن هذا كما يقولون صورة عين وقضايا الأعيان لا تصلح دليلًا للعموم، فهذه سماحة من الشرع ويسر من الله - عز وجل - أجراه على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - كما نبه الأئمة-رحمة الله عليهم- في شرح الحديث على أن هذا الحكم يختص بهذا الرجل، أما من أُهدي له هذا القدر الذي يستطيع به التكفير أو أعطي مالًا يستطيع به التكفير فقال أريد أن آخذه لنفسي فإنه لا يستحل ذلك ويجب عليه أن يكفر الكفارة التي أوجب الله وفرض عليه.