فهرس الكتاب
ومن هنا نجد الفرق بين مسلك المتقدمين والمتأخرين فنجد المتقدمين يشددون في وصول الشيء إلى البدن؛ لأن حقيقة الصوم إمساك وهذا الإمساك استنبطوه من جهة المعنى، فقد يخفى هذا المعنى على بعض العلماء فيقول: لا دليل على كون الكحل يفطر أو على كون القطرة تفطر، نقول: الشرع نبه ولو كان كل أمر يحتاج إلى دليل لم تكن هناك حاجة للعلماء؛ وإنما الفقه أن يفقه ويفهم (( من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين ) )فاجتهد العلماء من نص ولم يجتهدوا من رأي مجرد فالعلماء تأملوا حديث لقيط بن صبرة فظهر لهم أنه لا عبرة بالفم؛ لأن الأنف ليس بمدخل لطعام ولا شراب، ودائمًا الشرع ينبه بالنظير على نظيره، ولذلك الفطر بالفم مدخل معتاد والفطر بالأنف بالاستنشاق مدخل غير معتاد، فكأنه لما استنشق ونزل إلى حلقه صار الوصول إلى البدن موجبًا للفطر، فقالوا: إذا قَطّر القطارة في عينه أفطر إن وجد طعمها في حلقه، وإن وضع الكحل في عينه فوجد طعمه في حلقه أفطر لأنه قد وصل إلى جوفه، فهذا هو فقه المسألة، فليست المسألة كما يظن البعض أن هذا اجتهاد من العلماء ولا دليل عليه ولا نص، طبعًا من لم يظهر له هذا المعنى لم تظهر له العلة عنده لا دليل حسب اجتهاده ورأيه؛ لكن الأئمة والعلماء-رحمة الله عليهم- المتقدمين الذين قرروا ذلك وبسطوه وبينوه وشرحوه إنما ركبوه من هذا الحديث وهو حديث لقيط بن صبرة، ولذلك تجد من يقول إن الإبرة لا تفطر إذا كانت في العضل، قيل لهم: لو كانت مغذية قالوا: تفطر، فتناقضوا لأنهم إذا قالوا: إن الإبرة تدخل من غير المدخل المعتاد نقضهم قولهم: إن الإبرة المغذية تفطر، فإن قالوا (كونها مغذية) رددنا بأن الوصول إلى البدن لا يلتفت فيه إلى كونه مغذيًا أو كونه غير مغذ، ولذلك هذه المسألة من جهة النظر والإمعان في حديث لقيط بن صبرة تدل دلالة واضحة على رجحان مذهب جماهير السلف-رحمة الله عليهم- والأئمة المتقدمين الذين كانوا يفرعون هذه المسألة