الصفحة 77 من 232

لابد وأن هناك معنىً من كون الشرع ينبه على أن الوصول إلى الجوف يستوي فيه أن يكون من المدخل المعتاد والمدخل غير المعتاد، وإذا قلت: إن الأنف مدخل غير معتاد تقول الوصول إلى الجوف عندي مفطر، وفي الحقيقة إذا تأملت هذا القول وجدت قوته خاصة في هذه الأزمنة، فلو جئت تقول: العبرة عندي بالأكل والشرب والعبرة عندي بأن يأكل ويشرب من فمه وما سوى ذلك فليس بفطر، فبكل سهولة يمكن لأي شخص أن يتناول الإبر المغذية ويحكم بكونه صائمًا ولا تستطيع أن تجد طمأنينة في قلبك لإنسان يأخذ الإبرة المغذية وتقول: إنه ليس بمفطر بل تجد فيه من القوة ما تجده في الشخص الذي يفطر بل قد تكون أبلغ في الوصول للبدن من الطعام والشراب، ولذلك البر طمأنينة، وتجد الإنسان لا يطمئن أن يفتي لإنسان يتناول الإبر المغذية ويقول: إنه ليس بمفطر، فإن قلت: إن هذه الإبر المغذية وصلت إلى البدن من غير طريق المعتاد يلزمك في كل وصول إلى الجوف بطريق المعتاد أو غير معتاد أن تحكم بكونه مفطرًا، فإن قلت هذه مغذية رُد عليك بأن الشرع لا يفرق بين المغذي وغير المغذي بل قالوا حتى لو أن الغبار دخل وقصد مثل ما يحصل لبعضهم يتداوى ببعض الطين، فلو أخذ طينًا أدخله في فمه أو أكلته المرأة الحامل تداويًا به فإنه يحكم بفطرها، فهل الطين من جنس ما يؤكل أو يشرب؟!

الطين ليس من جنس ما يؤكل ولا من جنس ما يشرب؛ ولكن فعلته تداويًا ونحكم بكونها مفطرة، كذلك ... - أيضًا - دخان العود أو الدخان المحرم إذا شربه فإنه يعتبر له جرم وتتحلل مادته في اللعاب وتدخل إلى مناسم الإنسان ويغتذي به الإنسان كما أنه يغتذي بالدواء دواءً يغتذي بهذا السم قاتلًا وداءً فكما أنه إذا اغتذى بالبخار تداويًا أفطر، كذلك إذا اغتذى بالدخان المحرم داءً فإنه يفطر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت