فهرس الكتاب
الوجه الأول: قالت طائفة: إن هذا الحديث ورد في سبب مخصوص، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرّ بالبقيع كما في بعض الروايات على حاجم ومحجوم وسمعها يغتابان الناس وهما صائمان فقال-عليه الصلاة والسلام-: (( أفطر الحاجم والمحجوم ) )أي أنهما بغيبتهما للناس قد أذهبا أجر صيامهما فكأنهما أفطرا، والعرب تقول: أفطر وتقول: أصبح وتقول: أمسى وهو لم يمس ولم يفطر ولم يصبح حقيقة؛ وإنما المراد أنه أشفى أو تعاطى شيئًا يفوّت المقصود كما في حال الصائم هنا أنه لما تعاطى الغيبة كأنه ذهبت حسناته فكأنه لم يصم أصلًا، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم: (( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه ) ).
الوجه الثاني - وهو أقوى الوجوه: أن قوله-عليه الصلاة والسلام-: (( أفطر الحاجم والمحجوم ) )المراد به أنهما أوشكا على الفطر كما تقول أصبحت أصبحت أي ويحك كدت أن تصبح كما في حديث ابن أم مكتوم (( وكان لا يؤذن إلا إذا قيل له: أصبحت أصبحت ) )وهذا موجود في لغة العرب إلى يومنا هذا، فإنك تقول للرجل: هلكت! هلكت! وأنت لا تقصد أنه هلك حقيقة، كأن يكون قريبًا من نار أو قريبًا من بلده فتقول له: احترقت! احترقت! وهو لم يحترق حقيقة؛ وإنما المراد أنه في موضع يعرضه للاحتراق، قالوا: فقوله: (( أفطر الحاجم والمحجوم ) )أي أن الحاجم لا يأمن من ازدراد الدم، والمحجوم لا يأمن من الضعف الذي يفضي به إلى الفطر، وهذا يسميه تأويل الحديث بما يدل عليه الحال، فإن الحال يدل دلالةً واضحةً على أنه سينهك بدن المحجوم، ولا يأمن الحاجم من ازدراد الدم، ولذلك لا تستطيع أن تقول: إن الحاجم أفطر حقيقة؛ لأن المفطر حقيقة يأكل أو يشرب أو يتعاطى شهوة توجب فطره، فلما كان الحاجم والمحجوم لا يأكلان ولا يشربان وإنما فيهما معنىً يفضي بهما إلى الضعف الذي ينتهي إلى الفطر قَوِيَ حمل الحديث على هذا الوجه.