فهرس الكتاب
المصنف يقصد من هذا كما ذكرناه غير مرة أن الفقهاء لما يأتون بهذه الصور مرادهم أن تأخذ القاعدة والأصل، وهو أن الفطر يكون بالاختيار، ولذلك أنظر في قوله: [لا ناسيًا أو مكرهًا] ثم بعد ذلك قال: [أو طار إلى حلقه ذباب أو غبار] تأمل قوله: [مكرهًا] ثم أتبع بعدها طيران الغبار والذباب فتفهم من هذا دقة المصنف أن مراده أن يجعلك في دائرة معينة، وهي أن يفرق في الفطر بين ما يغلب الإنسان وبين ما لا يغلبه، فإذا سألك السائل عن شيء غلبه وشيء يشق التحرز عنه فإنه يعتبر في حكم المعذور، وأما إذا كان شيئًا يمكن توقيه وتحفظه منه فإنه يعتبر مفطرًا.
[أو احتلم] : فإن الاحتلام مما يشق التحرز عنه، والاحتلام أن يرى الإنسان وهو نائم ما يحرك شهوته فينزل، فإذا احتلم على هذا الوجه فإنه لا يفسد صومه لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( رفع القلم عن ثلاثه ... وذكر منهم (( النائم حتى يستيقظ ) ).
وقد أجمع العلماء على أن من نام واحتلم أنه لا يجب عليه الفطر، وبناءً على ذلك إذا تقرر هذا كأن الإجماع يدلنا على أن الشريعة تفرق بين ما يغلب الإنسان وبين ما لا يغلبه، فهذا الشيء الذي هو الاحتلام أو طيران الغبار كأن تمشي في صحراء أو نحوها ولايمكنك التوقي منه فهذا كله مما يعفى عنه.
[أو أصبح في فيه طعام فلفظه] : وهذا يحصل بعد السحور فيؤذن أذان الفجر ولا يزال بقايا الطعام في فمك وخاصة فيما يكون بين الأسنان، فإذا لفظه فإنه لا يؤثر في صومه لكنه لو بلعه وازدرده فإنه يعتبر مفطرًا.