الصفحة 17 من 94

شرح كتاب

مقدَّمة في أصول التفسير

قال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحرَّاني رحمه الله تعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم [1]

رَبِّ يَسِّرْ وَأَعِنْ بِرَحْمَتِك

الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا [2] .

(1) (الدرس الثاني 29/ 3/1423) ...

(1) بدأ كتابه بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) كما في نص المخطوط فقال: بسم الله الرحمن الرحيم رب يسِّر وأعن برحمتك ثم ذكر (الحمد لله نحمده ... ) .

بدأ بالبسملة جريًا على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في كتبه ورسائله إلى الملوك وغيرهم فقد جرت سنة الرسول عليه الصلاة والسلام بالبدء بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) فالبدء بها في أول التأليف أو في أول الكلام هو من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقد اقتصر بعض المصنفين في الحديث على البسملة دون ذكر الحمدلة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يعني دون ذكر خطبة الحاجة مثل ما صنع الإمام البخاري رحمه الله في الصحيح فإنه بدأ كتابه: (بسم الله الرحمن الرحيم باب بدء الوحي) ولم يذكر الحمد لله ولا الصلاة والسلام على رسول الله استغناء بالبسملة وما فيها من الثناء على الله سبحانه وتعالى وبما يناسب هذا الكتاب من البدء ببدء الوحي فقال: (بسم الله الرحمن الرحيم باب بدء الوحي) .

وما ورد من الروايات المرفوعة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ أَقْطَعُ) [رواه ابن ماجه] ، وفي رواية: (كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ) [رواه أبوداود] أو نحو ذلك، فهذه الروايات ضعفها أهل العلم ولم يثبتوا من ذلك شيئًا، لكن سنية البدء بالبسملة في أول التآليف وفي أول الكتب وفي أول الكلام تؤخذ من كتب الرسول صلى الله عليه وسلم ورسائله التي كان يبدأها ببسم الله الرحمن الرحيم، والله عز وجل ذكر لنا في القرآن الكريم أن سليمان عليه السلام لما أرسل كتابه إلى بلقيس بدأه ببسم الله الرحمن الرحيم، والله تعالى يقول: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) (الأنعام: من الآية90) فأمر بالاقتداء بما كان عليه الأنبياء، وهكذا جرى فعله صلى الله عليه وسلم فكان يبدأ رسائله وكتبه ببسم الله الرحمن الرحيم، وعلى هذه السنة جرى المصنف رحمه الله.

(2) هكذا ذكر المصنف هذه الخطبة، وهي خطبة قريبة في ألفاظها من خطبة الحاجة. وههنا مسألة: إن قلنا: إن خطبة الحاجة من باب الأذكار والأدعية فإنه لا يجوز - على الراجح من كلام أهل العلم - التصرف في ألفاظها؛ وعليه فإن الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ليس هو خطبة الحاجة، وليس من باب روايتها بالمعنى لأننا نقول: إن خطبة الحاجة من باب الأدعية والأذكار التي لا يجوز روايتها بالمعنى.

عند العلماء قاعدة وهي: أن باب الأدعية والأذكار يورد بحسب اللفظ الذي جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم، والدليل: حديث عند مسلم في الصحيح عن الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّا وَضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ، وَقُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلْجَاتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَهْبَةً وَرَغْبَةً إِلَيْكَ لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْت"َ فَإِنْ مُتَّ مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ فَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ فَقُلْتُ أَسْتَذْكِرُهُنَّ:"وَبِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ"قَالَ:"لَا وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ)."

استدل العلماء بهذا الحديث الذي أخرجه مسلم: على أن ألفاظ الأدعية والأذكار الواردة في الأحاديث النبوية لا يجوز روايتها بالمعنى، ووجه ذلك: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأذن للبراء أن يغير لفظة: (وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ) إلى (وبِِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ) فلما لم يأذن له بذلك دلَّ على أن أحاديث الأدعية والأذكار تُروى بلفظها، لا بالمعنى.

فإذا قلنا: إن حديث خطبة الحاجة من باب الأدعية والأذكار فإنه لا يجوز التصرف في خطبة الحاجة تورد في أول الكلام كما جاءت في الحديث، فإن تصرَّف الإنسان فيها فإنه لم يقل خطبة الحاجة، ولذا نحن نقول: إن هذا التصرف من شيخ الإسلام يدل على أنه لا يريد إيراد خطبة الحاجة.

فإن قيل ما حكم إيرادها؟ أقول: الذي جرى عليه أهل العلم أن حكم إيرادها: من باب المستحبات والسنن، وحيث إن هذه السنة أميتت في هذا العصر سعى كثير من العلماء إلى إحيائها فحرصوا على أن يفتتحوا بها كتبهم من باب إشاعة السنة وإحيائها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت