الصفحة 19 من 94

وَمَعْرِفَةِ تَفْسِيرِهِ وَمَعَانِيهِ [1]

(1) التفسير يراد به: تفسير الألفاظ، والمعاني: يراد بها دلالة الجملة بألفاظها على المعنى، والعلماء الآن يقولون: نحن نفرق بين أمرين بين تفسير اللفظ والمراد من اللفظ، فمثلًا قوله تعالى: (وَالضُّحَى) ، أقول لك: الضحى هي ساعة من ساعات النهار، فما المراد من قوله تعالى: (وَالضُّحَى. وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى) ، أقول المراد هنا: قسم أراد الله عز وجل به تعظيم هذا المخلوق الذي خلقه وهو وقت الضحى، ولفت الأنظار إليه إذ أنه من الأوقات .. إلخ، وهذا يسمونه: بيان المراد، فتفسير اللفظ شيء وبيان المراد شيء آخر؛

فتفسير اللفظ هو بيان معناه من جهة اللغة، والمراد من اللفظ هو تبيين معناه داخل السياق الذي جاء فيه.

إذًا حينما قال: (ومعرفة تفسيره ومعانيه) أي: تفسير الألفاظ وبيان المراد منها، ولذلك العلماء يقولون: (تفسير غريب القرآن) يعني: الألفاظ، فإن فسروها بحسب الدلالة اللغوية بدون مراعاة المعنى الشرعي فهذا تفسير لغوي لا ينبغي أن يُعتمد بمجرده في تفسير القرآن لماذا؟ لأن عندنا في كل لفظ يرد في القرآن أو في الحديث أربع احتمالات من حيث المعنى:

1 -إما أن يكون لهذا اللفظ معنى شرعي.

2 -وإما أن يكون لهذا اللفظ معنى عرفي.

3 -وإما أن يكون له معنى لغوي.

فإن لم يوجد له معنى لغوي ولا معنى شرعي ولا معنى عرفي؛ نُظر فيه بحسب الحقيقة والمجاز عند من يقول بها.

فإذا أنت فسرت اللفظ من حيث اللغة قبل النظر هل له معنى شرعي أو عرفي؛ فأنت قد هجمت على تفسير القرآن بالرأي لأنه ليس كل معنى صح لغة صح تفسيرًا، وينبغي لمن أراد أن يفسر غريب القرآن أن يفسره بحسب المراد منه، إن كان المراد منه في هذا الموضع المراد الشرعي أورده، إن كان المراد منه في هذا الموضع المراد العرفي أورده، إن كان المراد منه في هذا الموضع المراد اللغوي أورده.

خذ مثلًا: كلمة (الصلاة) في اللغة ما معناها؟ الدعاء، في الشرع: وردت الصلاة بمعان، وردت بمعنى الصلاة ذات الركوع والسجود التي هي مفتاحها الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم، ويعرفها الفقهاء بقولهم: أقوال وأفعال مفتاحها الطهور، تحريمها التكبير وتحليلها التسليم، ووردت الصلاة بمعنى: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، نقول: اللهم صل وسلم على سيدنا ونبينا محمد: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) (الأحزاب:56) ، ووردت أيضًا في القرآن والسنة بمعنى: الدعاء، (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَن لَهُمْ) (التوبة: من الآية103) يعني: وادع لهم إن صلاتك سكن لهم.

إذا جاء من يفسر القرآن بحسب الدلالة ولم يُلزم نفسه إلا بالتفسير اللغوي فإنه سيفسر كل هذه المواضع بمعنى واحد: الصلاة بمعنى الدعاء، وهذا خطأ إذ هذا المعنى إن صحَّ لغة لا يصح تفسيرًا، فالله تعالى يقول: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) (البقرة: من الآية43) فيقول: الصلاة يعني الدعاء، يصح هذا؟! ليس هذا هو المراد.

إذًا ليس كل ما صح لغة صح تفسيرًا.

وليس كل ما صح إعرابًا صح تفسيرًا.

وهذه قاعدة أخرى نبه عليها ابن هشام في (مغني اللبيب) ص684، فقد تأتي أوجه من الإعراب للألفاظ تسوغ لغة ونحوًا ولكن لا تسوغ تفسيرًا؛ حيث ذكر ابن هشام في مغني اللبيب في الباب الخامس الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها وهي عشرة، الجهة الأولى: أن يراعي ما يقتضيه ظاهر الصناعة و لا يراعي المعنى، وكثيرا ما تزل الأقدام بسبب ذلك"اهـ"

وقد نبه على القاعدتين ابن القيم أعني قاعدة مراعاة لغة القرآن والسنة ومعهودهما عند التفسير، وقاعدة أن يراعي في الإعراب معاني القرآن، فليس كل معنى صح إعرابًا صح تفسيرًا.

مرادي: أن أنبه على أن شيخ الإسلام حينما قال: (ومعرفة تفسيره ومعانيه) أراد: بيان تفاوت القضية بين تفسير الألفاظ وبيان المعاني، والعلماء يكثر عندهم قولهم: فرق بين التفسير والمعنى المراد، تفسير اللفظ من حيث هو لفظ، أما المراد: بيان دلالة اللفظ مع الألفاظ الأخرى التي كونت جملة وشكلت معنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت