وَالتَّمْيِيزِ فِي مَنْقُولِ ذَلِكَ وَمَعْقُولِهِ [1] بَيْنَ الْحَقِّ وَأَنْوَاعِ الْأَبَاطِيلِ [2] وَالتَّنْبِيهِ عَلَى الدَّلِيلِ الْفَاصِلِ بَيْنَ الْأَقَاوِيلِ [3] ; فَإِنَّ الْكُتُبَ الْمُصَنَّفَةَ فِي التَّفْسِيرِ مَشْحُونَةٌ بِالْغَثِّ وَالسَّمِينِ وَالْبَاطِلِ الْوَاضِحِ وَالْحَقِّ
(1) هذا إشارة منه إلى أن التفسير نوعان: 1 - تفسير منقول. ... 2 - تفسير معقول.
ونحن نسميه هذه الأيام: التفسير بالمأثور، والتفسير بالرأي، فالمنقول هو المأثور، والمعقول هو التفسير بالرأي.
وقدمت أن التفسير بالرأي لا يجوز إلا بخمسة شروط.
(2) انظروا كيف أفرد الحق وعدّد الباطل؛ لأن الحق واحد، وهذا اتبع فيه أسلوب القرآن الكريم فإن القرآن الكريم لما يذكر الحق مع الباطل يذكر الحق واحدًا ويعدد الباطل قال تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) (البقرة:257) ، فعدّد الظلمات وأفرد النور لأن الحق واحد نور الهداية واحد لا يتعدد لكن الباطل أنواع وسبل وطرق. الحديث الذي أخرجه بعض أصحاب السنن وغيرهم: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خطًَّا ثُمَّ قَالَ هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ ثُمَّ خَطَّ خُطوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ هَذِهِ سُبُلٌ - قَالَ يَزِيدُ مُتَفَرِّقَةٌ - عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ ثُمَّ قَرَأَ: (وأنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) [أخرجه: أحمد والدارمي] ، فالباطل متعدد، ولذلك هناك مسألة أصولية قال أهل العلم: قولهم: (كل مجتهد مصيب) فيه نظر لماذا؟ قالوا: لأن الحق واحد وليس كل من اجتهد في المسألة أصاب الحق فإما أن يكون قولهم: (كل مجتهد مصيب) يعني: في الأجر، فالمجتهد بين أجر وأجرين، أو هي عبارة باطلة لماذا؟ قالوا: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أنه ليس كل مجتهد مصيب، قال صلى الله عليه وسلم: (إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ) [رواه البخاري ومسلم وغيرهما] ، فبين أن هناك من يجتهد ويصيب وهناك من يجتهد ويخطئ، فقولهم: (كل مجتهد مصيب) باطل لأن الحق واحد لا يتعدد.
هنا شيخ الإسلام راعى هذا كله فقال: (والتمييز في معقول ذلك ومنقوله بين الحق وأنواع الأباطيل) ، فالتمييز في المنقول: بمعرفة الأسانيد صحيحها وضعيفها وما يترتب عليها من علم الصناعة الحديثية. وفي المعقول: بمراعاة أصول الشرع والفهم من الشرع، وسيشير شيخ الإسلام - إن شاء الله - في ثنايا كتابه إلى أشياء حول هذه القضية.
(3) يقول الشيخ: إنه يريد من هذه المقدَّمة أن ينبه فيها إلى الدليل الفاصل بين الأقاويل، وشيخ الإسلام له قاعدة يقول: (ما من دليل استدل به على باطل إلا وكان في الدليل نفسه ما ينقض استدلاله به) ، وهكذا كل قول يستدل به أناس أو يذهبون إليه ويكون هذا القول باطل إلا ويكون له في الدليل الذي استدلوا به في الآية أو الحديث ما يبطله وما يدل على بطلانه.
والمصنف سيذكر لك بعض القواعد التي تعينك على التمييز بين الأقاويل سواء كانت هذه الأقاويل مبنية على المأثور أو مبنية على
المعقول؛ لأنه يرد في الآية أكثر من معنى، لكن
هل هذه المعاني كلها مرادة أو غير مرادة أو بينها تضاد؟
كيف ترجح هذا المعنى على هذا المعنى؟
كيف تجمع بين هذه الأقوال؟
كيف تفرق بين هذه الأقوال؟
هذا بابه باب التعارض والترجيح وأصول أخرى حوله، ذكرها العلماء سيشير إليها رحمه الله في هذا الكتاب إشارات كلية.