الْمُبِينِ. وَالْعِلْمُ إمَّا نَقْلٌ مُصَدَّقٌ عَنْ مَعْصُومٍ وَإِمَّا قَوْلٌ عَلَيْهِ دَلِيلٌ مَعْلُومٌ [1] وَمَا سِوَى هَذَا فَإِمَّا مُزَيَّفٌ مَرْدُودٌ وَإِمَّا مَوْقُوفٌ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ بَهْرَجٌ وَلَا مَنْقُودٌ. وَحَاجَةُ الْأُمَّةِ مَاسَّةٌ إلَى فَهْمِ الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ وَالذِّكْرُ الْحَكِيمُ وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسُنُ وَلَا يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ التَّرْدِيدِ وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ [2]
(1) العلم لا يخلو من هذين الأمرين:
إما نقل مصدق.
أو قول محقق.
والنقل المصدق هو نص شرعي من آية أو حديث.
والقول المحقق يعني: فهما، تفهمه من الشرع من هذه النصوص تأتي به فتحققه وترى فعلًا هذا الكلام صحيح أو غير صحيح.
والمصنف يشير بذلك إلى أن أقوال العلماء في التفسير لا تخرج عن ذلك، فما كان منها من باب النقل سنطبق فيها قواعد النقل، وما كان منها من باب العقل والفهم سنطبق فيه القواعد المتعلقة به.
(2) هذا الوصف الذي ذكره شيخ الإسلام للقرآن الكريم جاء مرفوعًا في حديث من طريق الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحارث متكلم فيه بل نسبه بعض العلماء إلى لكذب، وبلغ من شدة ضعف هذا الحديث أن الشوكاني أورده في (الفوائد المجموعة) وعلَّق المعلمي - رحمه الله - محقق الكتاب عليه بما معناه: بأن هذا الحديث ضعيف مبنى صحيح معنى، فمعناه صحيح.
وذهب بعض العلماء إلى إثبات هذا موقوفًا عن علي رضي الله عنه.
وهذه الأوصاف التي تضمنتها هذه العبارة كلها حق.
وإدراج المصنف في كلامه كلامًا لغيره دون الإشارة يُعرف في البلاغة بالتضمين، إذا قلنا: إن هذا أثر موقوف عن علي فنقول: إذا ضمن الناثر أو الشاعر في كلامه كلامًا لغيره دون أن يقول: قال فلان، فإنه يسمى في البلاغة: (تضمين) ، وإن ضمَّن الناثر أو الشاعر آية أو حديثًا دون أن يقول في أول الآية: قال الله، أو يقول في أول الحديث: قال رسول الله، فإنه يسمى في علم البلاغة: (اقتباس) .
فهذا الذي صنعه المصنف إما تضمين إذا قلنا: إنه موقوف عن علي، وإما اقتباس إذا قلنا: إنه حديث مرفوع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. وهذا من التفنن في أداء المعنى المراد.
ومناسبة إيراد هذا المقطع لا تخفى عليكم: إذ فيها ذكر فضائل عظيمة للقرآن الكريم، فهو وصفه بأنه: حبل الله المتين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن ولا يخلق - يعني: لا يقدَم، تقول: ثوب خَلِق يعني ثوب قديم - ولا يخلق على كثرة الترديد، يعني: كلما ترجع تقرؤه تشعر أنه جديد لا تمله ولا تشعر أنه أصبح كلامًا معانيه متكررة - سبحان الله - وهذا يشهد به كل أحد يقرأ القرآن ويختم أكثر من ختمة وفي كل مرة يشعر أنه شيء جديد فيه فوائد جديدة ومعان جديدة وأشياء جديدة تنقدح في نفسه من هذه التلاوة.
قوله: (ولا تنقضي عجائبه) أي: معانيه التي يشير إليها كثيرة، فلا تفنى عجائبه كلما تكتشف شيئًا تجده يتضمن شيئًا آخر.
وبعض الناس يتوسع في هذه القضية فإنه يتجرأ في تحميل القرآن ما لا يحتمل من قضايا العلم الحديث مرتكزًا في ذلك على قضية (لا تنقضي عجائبه أو لا تفنى عجائبه) ، والتفسير العلمي للقرآن: هو من باب التفسير بالرأي لا يُقبَل إلا إذا توفرت فيه الشروط الخمسة السابقة [ص:13] ، فبعض الناس يأتي ويُدْخِلُ في تفسير الآية ويُحَمِّلُها من المعاني العلمية ما يتنافى مع السياق والسباق أو ما يخالف مخالفة تضاد ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة أو ما يَخْرُج باللفظ عن دلالته اللغوية، فهذا تفسير بالرأي المذموم و لا يغير واقعه شيئًا أن يقال: إن القرآن (لا تنقضي عجائبه) لأني أقول: نعم لا تنقضي عجائبه ولكنه ليس كتاب علم وليس كتاب جغرافيا ولا كتاب هندسة ولا كتاب طب ولا كتاب جيولوجيا ولا كتاب فلك ولا كتاب أحياء، هو قرآن كتاب هداية وإعجاز لا تجد فيه خللًا، واستنباط ما فيه بالرأي يشترط في قبوله الشروط السابقة في قبول التفسير بالرأي، ومنه التفسير العلمي! وتناول القرآن على هذا الأساس بهذه الحيثية لا بأس به؛
مثلًا قوله تعالى: (بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ) (الرحمن:20) ، هذا إشارة إلى حقيقة علمية: أن في ملتقى الأنهار مع البحار برزخ أي: حاجز وفاصل - يقولون في العقيدة: الحياة البرزخية يعني التي تفصل بين الدنيا والآخرة - نقول: هنا حقيقة علمية أشار الله إليها أن ما بين مصب ماء النهر وماء البحر برزخ فاصل بين المائين، نعم الآن العلم الحديث أثبت هذا الحمد لله، هذه قضية أوردها الله عز وجل في ثنايا الآية من باب الامتنان وإنعامه على الناس وبأنه وحده مستحق أن يُعبد دون سواه. وليس باللازم أن كل حقيقة علمية أو كل معلومة علمية تجد لها في القرآن أصلًا، لا، القرآن لم يوضع لهذا.
إذًا قضية (لا تفنى عجائبه أو لا تنقضي عجائبه) هذه القضية مضبوطة في التفسير العلمي بشروط قبول التفسير بالرأي الخمسة، إن لم تتوفر يكون هذا التفسير تفسير بالرأي الباطل المذموم، إذًا (لا تنقضي عجائبه) لمن استعمله على الأصول العلمية المعتبرة عند أهل العلم. هذا هو المقصود بقوله:"لا تنقضي عجائبه"، فليست القضية متروكة هكذا بدون قواعد وبدون ضوابط، يأتي الإنسان ويُحمِّل القرآن أمورًا وأشياء ومعان هي ليست من دلالة لفظه أو هي ليست مما يناسب سياق الآية أو هي مما يخالف ما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة مخالفة تضاد، هذا خطأ ولا يصح الارتكاز على قضية"ولا تنقضي عجائبه".