وَقَالَ تَعَالَى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (المائدة:15 - 16) [1] .
وَقَالَ تَعَالَى: {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} (إبراهيم:1 - 2) [2] .
(1) هذه الآية الثانية التي أوردها المصنف رحمه الله وهي قوله تعالى: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (المائدة:15 - 16) .
هذه الآية أيضًا فيها تأكيد أن اتباع سبل الهداية وسبل النجاة إنما يكون بالعمل بالقرآن الكريم فإن الله سبحانه وتعالى يقول في وصف هذا القرآن (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) . فمن لم يتبع القرآن الكريم فهو في ضلال، وقد جاء في ذلك حديث أورده مالك في (الموطأ) بلاغًا وأسنده الحاكم في (المستدرك) وهو حديث حسن لغيره، قال صلى الله عليه وسلم: (تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ) ، وهنا الله عز وجل يصف القرآن بأنه: (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ) ، مفهوم المخالفة: أن من لم يتبعه ويأخذ ما فيه فهو في ضلال.
فإن قيل: كيف تتبعه وتأخذ ما فيه؟
أقول: بأن تفهمه.
فإن قيل: كيف تفهمه؟
أقول: بأن تسلك الطريق التي سلكها السلف الصالح في فهمه.
فإن قيل: كيف هذا؟
أقول: عن طريق القواعد التي قعدوها والأصول التي أصلوها، ومنها ما جمعه لك المصنف في هذا الكتاب.
هذه - فيما يظهر لي - مناسبة إيراد المصنف لهذه الآية في هذا التقديم لهذا الكتاب.
أورد الآية لما فيها من دلالة على أن المسلم يحتاج إلى أن يتبع القرآن ويعمل بما فيه ليتبع رضوان الله ليكون محصلًا لسبل الهداية والرشاد ونيل السعادة في الدارين؛
و لا يكون ذلك إلا بالعمل بالقرآن.
ولا يكون العمل بالقرآن إلا بعد فهمه.
ولا يفهم القرآن إلا بفهم السلف.
ويساعدك في ضبط تحصيله وحسن فهمه ما أورده المصنف في هذا الكتاب من قواعد وأصول.
(2) أيضًا أورد آية أخرى تؤيد هذا المعنى فقال: قوله تعالى: (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) (إبراهيم:1 - 2) ، محل الشاهد: (لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ) ، ولاحظوا في هذه الآية قوله تعالى: (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) ، وفي الآية التي قبلها: (وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ) لماذا؟ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يملك هداية التوفيق للقبول إذ الهداية ثلاثة أنواع:
الأولى: هداية التعليم والإرشاد، فالرسول صلى الله عليه وسلم هادٍ يهدي الناس والقرآن كتاب هداية يهدي الناس، فيه تعليم وإرشاد فهذه هداية التعليم والإرشاد.
الثانية: هداية التوفيق للقبول: وهذه لا تكون إلا بيد الله سبحانه وتعالى: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (القصص:56) ، وقال سبحانه: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ) (الغاشية:21) وقال سبحانه: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) (الذاريات:55) وقال سبحانه: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) (آل عمران: من الآية128) ، ليس له شيء لأنه عليه الصلاة والسلام رسول يبلغ ما أمره الله سبحانه وتعالى بإبلاغه يهدي الناس هداية تعليم وإرشاد وتوضيح وبيان، أما هداية التوفيق للقبول فهي بيد الله سبحانه وتعالى يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، والآيات كلها - كما ترون - قيدت الهداية.
النوع الثالث: هداية الثبات وهي التي نقرؤها في الفاتحة ونقول: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (الفاتحة:6) ، أنا قبلت ولو لم أقبل لم أصلِّ وتعلمت فهداية التعليم حاصلة عندي وهداية القبول موجودة لدي لي فما هي الهداية التي أكرر سؤال الله سبحانه وتعالى إياها في كل صلاة في كل ركعة؟ هي: هداية الثبات، أن يهديك إلى الثبات، عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا قَالَ نَعَمْ إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ) [أخرجه الترمذي وابن ماجه] . هذا النوع الثالث من الهداية هو أيضًا بيد الله تعالى ليست بيد الرسول صلى الله عليه وسلم، فالرسول صلى الله عليه وسلم ليس بيده هداية التوفيق لقبول الحق وليس بيده هداية الثبات على الحق، فلا بد أن تعلم أن الله سبحانه وتعالى حينما يقول في القرآن:
(وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ) لماذا قال: (بِإِذْنِهِ) ؟ لأنه ليس بيده عليه الصلاة والسلام أن يوفقهم للقبول.
ثم قال بعد ذلك: (وَيَهْدِيهِمْ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) أي: هداية تعليم وإرشاد. الآية الثانية قال: (لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) لماذا؟ لأنه ليس بيده عليه الصلاة والسلام أن يخرج الناس من الظلمات إلى النور، أي: يوفقهم إلى قبول الحق (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (القصص:56) .