الصفحة 39 من 94

الْحَدِيثَ.

وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرٌ مِمَّا يَذْكُرُونَ أَنَّهُ نَزَلَ فِي قَوْمٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ أَوْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، أَوْ فِي قَوْمٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ؛

فَاَلَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ لَمْ يَقْصِدُوا أَنَّ حُكْمَ الْآيَةِ مُخْتَصٌّ بِأُولَئِكَ الْأَعْيَانِ دُونَ غَيْرِهِمْ; فَإِنَّ هَذَا لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ وَلَا عَاقِلٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ [1] .

وَالنَّاسُ وَإِنْ تَنَازَعُوا فِي اللَّفْظِ الْعَامِّ الْوَارِدِ عَلَى سَبَبٍ هَلْ يَخْتَصُّ بِسَبَبِهِ أَمْ لَا؟ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ عمومات الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تَخْتَصُّ بِالشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ وَإِنَّمَا غَايَةُ مَا يُقَالُ إنَّهَا تَخْتَصُّ بِنَوْعِ ذَلِكَ الشَّخْصِ فَيَعُمُّ مَا يُشْبِهُهُ وَلَا يَكُونُ الْعُمُومُ فِيهَا بِحَسَبِ اللَّفْظِ.

وَالْآيَةُ الَّتِي لَهَا سَبَبٌ مُعَيَّنٌ إنْ كَانَتْ أَمْرًا وَنَهْيًا فَهِيَ مُتَنَاوِلَةٌ لِذَلِكَ الشَّخْصِ وَلِغَيْرِهِ مِمَّنْ كَانَ بِمَنْزِلَتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ خَبَرًا بِمَدْحِ أَوْ ذَمٍّ فَهِيَ مُتَنَاوِلَةٌ لِذَلِكَ الشَّخْصِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ كَانَ

(1) الآن شيخ الإسلام يضرب أمثلة يقول: يدخل في باب اختلاف التنوع عباراتهم عن أسباب النزول.

ما تعريف سبب النزول؟

سبب النزول هو الحادثة التي تقع في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم أو السؤال الذي يسأل عنه الرسول صلى الله عليه وسلم فينزل القرآن متحدثًا عنها أو مجيبًا عن السؤال.

تعريف آخر مختصر: أن سبب النزول هو: ما نزل بصدده قرآن من حدث أو سؤال.

والعلماء - رحمهم الله - نبهوا أن تعبير السلف عن سبب النزول له صيغتان:

الأولى: صيغة صريحة في التعبير عن سبب النزول.

الثانية: صيغة غير صريحة.

الصيغة الصريحة، كأن يقال: حدث كذا فأنزل الله كذا، أو جاء رجل فسأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن كذا، فيرتب نزول الآية على حدث أو سؤال.

النوع الثاني: الصيغة غير الصريحة: هي أن يقال: سبب النزول هذه الآية كذا، أو نزلت هذه الآية في كذا. هذه الصيغة محتملة لأن يكون ما يذكر من باب سبب النزول على المعنى الأول الصريح، أو من باب بيان دخول هذا المعنى في الآية، كأنه يقول: هذا المعنى مما يدخل في معنى هذه الآية، أو إن نزول هذه الآية يشمل هذا المعنى، فهي صيغة محتملة لأن يكون مراده التعبير عن السبب من الحدث أو السؤال الذي نزل بصدده قرآن، ومحتمل أن يكون ما عناه: البيان عن أنَّ هذا الأمر يدخل ضمن الآية.

فنبه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى أن النوع الثاني من الصيغة المحتملة في التعبير عن سبب النزول، إذا تعددت أقوالهم فيه مما يدخل في اختلاف التنوع، لأن مرادهم أن ذلك مما يدخل في معنى الآية. فلا يضرب قول بعضهم ببعض، و لا يرد قول بعضهم بقول بعض. فإذا فتحت التفسير تجد من الصحابة من يقول: نزلت هذه الآية في كذا، صحابي آخر يقول: نزلت هذه الآية في كذا، ويذكر معنى آخر، وثالث يقول: نزلت في كذا، فاعلم عندها أن مرادهم: بيان أن الآية تشمل في معناها هذه الأمور، وأن مراد الصحابي بقوله: نزلت هذه الآية في كذا، بيان شمول المعنى في الآية لهذه الأمور، لأن تعبيرهم بقولهم: نزلت هذه الآية في كذا، هو من مثل قولهم: من معنى هذه الآية كذا، أو يدخل في معنى هذه الآية كذا، فصار من اختلاف التنوع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت