فهرس الكتاب
بِمَنْزِلَتِهِ [أَيْضًا] [1] .
وَمَعْرِفَةُ"سَبَبِ النُّزُولِ"يُعِينُ عَلَى فَهْمِ الْآيَةِ فَإِنَّ الْعِلْمَ بِالسَّبَبِ يُورِثُ الْعِلْمَ بِالْمُسَبِّبِ ; وَلِهَذَا كَانَ أَصَحُّ قَوْلَيْ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْرَفْ مَا نَوَاهُ الْحَالِفُ رُجِعَ إلَى سَبَبِ يَمِينِهِ وَمَا هَيَّجَهَا وَأَثَارَهَا [2] .
(1) العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبعض الناس ممن شذَّ عن طريقة أهل السنة والجماعة يجعل حكم الآية خاصًا في عين من نزلت فيه، وهذا لا قائل به من أهل السنة المتبعين لما كان عليه السلف الصالح، لأن العبرة عندهم بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
لكن هنا نكتة علمية نبَّه عليها ابن دقيق العيد رحمه الله في إحكام الأحكام وهي: أن العبرة في اللفظ بعمومه لا بخصوص السبب لكن قد تفيد قرائن الأحوال معنى التخصيص فلا يكون للفظ معناه العام. قاله ابن دقيق العيد (ت702هـ) رحمه الله [إحكام الأحكام (2/ 225) ، بتصرف يسير. وانظر فتح الباري (4/ 184) ] :"السياق والقرائن [يدلان] على مراد المتكلم من كلامه وهي المرشدة إلى بيان المجملات وتعيين المحتملات، فاضبط هذه القاعدة، فإنها مفيدة في مواضع لا تحصى"اهـ.
والوقوف على مراد المتكلم ومقصده من كلامه واعتبار ذلك نافع للناظر؛ ومما يدل عليه السياق.
قال ابن دقيق العيد رحمه الله، في كلامه على حديث:"الخالة بمنزلة الأم" [إحكام الأحكام (4/ 82 - 83) ] :"سياق الحديث يدل على أنها بمنزلتها في الحضانة، وقد يستدل بإطلاقه أصحاب التنزيل على تنزيلها منزلة الأم في الميراث، إلا أن الأول أقوى؛ فإن السياق طريق إلى بيان المجملات، وتعيين المحتملات، وتنزيل الكلام على المقصود منه. وفهم ذلك قاعدة كبيرة من قواعد أصول الفقه، ولم أر من تعرض لها في أصول الفقه بالكلام عليها وتقرير قاعدتها مطولة إلا بعض المتأخرين ممن أدركنا أصحابهم وهي قاعدة متعينة على الناظر وإن كانت ذات شعب ومناظر"اهـ.
ومثل بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم لما قال: (ليس من البر الصيام في السفر) ، فإن هذا الحديث لفظه عام، سببه: أن رجلًا من الصحابة كان صائمًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر من الأسفار فشق عليه الصوم في السفر فأغمي عليه، فكان الصحابة يحيطون به ويرشون عليه الماء، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ما سبب هذا الاجتماع؟ فقالوا: فلان أغمي عليه بسبب الصوم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يفطر وقال: (ليس من البر الصيام في السفر) [البخاري ومسلم] .
هذا الحديث لفظه عام فلو أخذنا بمعناه لكان معناه: أنه من الإثم الصيام في السفر بمنطوقه، وأن من البر الفطر في السفر، هذا مفهوم المخالفة، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم صام في السفر وأفطر وأقر فطر الصحابة وصيامهم في السفر - هنا قرائن أحوال - خصصت الحكم العام، وجعلت حكم النص العام مخصوصًا بسببه، ما هو سببه؟ المشقة بالصوم في السفر، عندها نقول: ترتيب المسألة سيكون هكذا، نقول: ما حكم الصوم في السفر؟ نقول: يجوز للمسافر أن يفطر، إلا أن يشق عليه الصوم في السفر؛ فإن شق عليه الصوم في السفر فلا يجوز له الصوم، فإن صام والحال هذه أثم والدليل: (ليس من البر الصيام في السفر) فنحن هنا خصصنا عموم اللفظ بالسبب لا لذات السبب لكن لقرائن أخرى، ما هي؟ ما ورد أن الرسول صلى الله عليه وسلم صام وأفطر في السفر، وما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه أقر الصحابة على فطرهم وعلى صيامهم في السفر.
إذًا هناك فرق بين أمرين:
الأول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
الثاني: قرائن الأحوال في السياق قد تفيد تخصيص اللفظ العام.
وهذه مسألة مهمة نبه عليها ابن دقيق العيد، وأشار إليها في قضايا القرآن؛ الكثير من أهل العلم، منهم من المتأخرين: القاسمي في مقدمة تفسيره محاسن التأويل (3/ 81) .
(2) هذا الكلام من شيخ الإسلام بيان لفائدة معرفة سبب النزول، لو سئلت ما هي فائدة سبب النزول؟ قل له فوائد عظيمة، أهم فائدة له: أنه يورث العلم بالآية ومعناها، إذ العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب، أنت حينما تعلم أن هذا الأمر حدث نتيجة هذا الأمر ستعرف إذًا ما المراد بهذا اللفظ الذي جاء في هذه القضية، تفهمه على أصله.
وهل الأولى للمفسر إذا جاء يفسر الآية، هل الأولى أن يبدأ ببيان السبب، أم الأولى أن يبدأ ببيان المناسبة، على أقوال ثلاثة، ثالثها: أن يبدأ بما يعين على فهم الآية، فإن توقف فهم الآية على بيان السبب بدأ به، وإن توقف فهم الآية على بيان المناسبة؛ بدأ به، فإن استويا بدأ بسبب النزول.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: من فروع هذه القاعدة، أن الفقهاء قالوا: أنه إذا لم يعرف هل هذا الرجل في يمينه أو في طلاقه أو في غيرها من الألفاظ التي يناط فيها حكم، إذا لم يعرف ما هو قصده وما هي نيته؛ قالوا: ينظر في السبب الذي هيَّج هذا الرجل لقول هذه اللفظة من طلاق أو يمين .. الخ، فإن السبب الذي هيَّج هذه يكون معيِّنًا لنية وقصد الحالف أو صاحب اليمين أو الذي قال هذا اللفظ.
فقضية العلم بالسبب من القضايا المهمة للمفسر وأيضًا للفقيه، هو يحتاجها في فهم النصوص من القرآن والسنة، ويحتاجها أيضًا في تنزيل الأحكام الشرعية على أفراد الناس.
فائدة: هل يوجد سبب نزول للحديث؟ نقول: عندنا سبب لكن لا نسميه سبب نزول، إنما نسميه سبب ورود الحديث.
من الكتب المصنفة في أسباب نزول القرآن: (أسباب النزول للواحدي) ، وهو مطبوع متداول بتحقيق: سيد صقر، و (لباب النقول في معرفة أسباب النزول) لجلال الدين السيوطي، وهو أيضًا كتاب معروف متداول.
وفي الحديث كتاب كبير في ثلاثة مجلدات أسمه: (أسباب ورود الحديث) للحسيني، و (أسباب ورود الحديث) للسيوطي، وشراح الحديث يهتمون غالبًا ببيان سبب ورود الحديث وقصته لما يتوقف على معرفة السبب وقصة الحديث من بيان وإيضاح لمعنى الحديث.