الصفحة 55 من 94

وَفِي الْبَعْضِ الَّذِي ضَرَبَ بِهِ مُوسَى مِنْ الْبَقَرَةِ.

وَفِي مِقْدَارِ سَفِينَةِ نُوحٍ وَمَا كَانَ خَشَبُهَا.

وَفِي اسْمِ الْغُلَامِ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ.

وَنَحْوُ ذَلِكَ فَهَذِهِ الْأُمُورُ طَرِيقُ الْعِلْمِ بِهَا النَّقْلُ فَمَا كَانَ مِنْ هَذَا مَنْقُولًا نَقْلًا صَحِيحًا عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم - كَاسْمِ صَاحِبِ مُوسَى أَنَّهُ الْخَضِرُ - فَهَذَا مَعْلُومٌ، وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ كَانَ مِمَّا يُؤْخَذُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [1] ، - كَالْمَنْقُولِ عَنْ كَعْبٍ وَوَهْبٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَاخُذُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ -

(1) هذه أمثلة يذكرها الشيخ على أمور تحتاج إلى النقل، و لا يمكن الجزم بها، وهي مما لا تحتاجه الأمة، و لا يتوقف عليه عمل؛

ماذا ينقص الأمة لو لم تعلم أصحاب الكهف؟

ماذا ينقص الأمة لو لم تعلم أين مَجْمَع البحرين؟

ماذا ينقص الأمة لو لم تعلم اسم كلب أصحاب الكهف؟

ماذا ينقص الأمة لو لم تعلم عدد أصحاب الكهف؟

ماذا ينقص الأمة لو لم تعلم الجزء أو البعض الذي ضُرب به القتيل فأحياه الله بموسى عليه السلام (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا) (البقرة: من الآية73 ) ) ؟ ماذا يضر الأمة لو لم يعلموا ما هي الشجرة التي أكل منها آدم عليه السلام؟

ماذا يضر الناس لو لم يعلموا الفيل الذي جاء به أبرهة الحبشي ماذا كان اسمه؟

ماذا يضر الناس لو لم يعلموا من قريش؟

هذه كلها أشياء هي من فضول الكلام والعلم.

ما جاء بيانه في الشرع فهذا معلوم من الشرع، وما لم يأت بيانه فهذا لا يضر الجهل به، لكن الأمور التي يحتاجها الناس لا بد لها من بيان، ولا بد أن يُنقل، ولا بد أن يَثْبت.

هذا القاعدة في المبهمات، تُعرَف في علوم القرآن بعلم مستقل اسمه: (مبهمات القرآن) ؛

والقاعدة في علم مبهمات القرآن:

أن المبهمات على قسمين:

القسم الأول: ما استأثر الله بعلمه، كتحديد زمن قيام الساعة، وكتحديد عمر الدنيا، وكذكر مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا الله.

حكمه: هذا القسم يحرم طلب العلم به، وتكلفه لا يجوز، لأنك تطلب ما أخبرك الشارع أنه لا يعلمه أحد.

وهذا ليس هو موضوع التصنيف في هذا العلم، ومن تكلم فيه فإنما تكلم بجهل ووقع في أمر محظور شرعًا.

القسم الثاني من أنواع المبهمات: ما لم يستأثر الله بعلمه، ولم يأت في القرآن أو في السنة ما يفيد ذلك فهذا على أنواع:

النوع الأول: ما أبهمه في محل وفسره في محل آخر.

مثاله: ما هو (الصراط المستقيم) في قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (الفاتحة:6) ؟ أبهمه هنا وفسره في موضع آخر فقال تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) (النساء:69) .

من هم المغضوب عليهم والضالون؟ فسره الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضُلاَّل) .

حكم هذا النوع: هذا النوع طلب بيانه من الأمور الجائزة.

ووجوده: لشحذ الهمم للبحث والنظر وهو من أوجه التفسير، فتارة يكون من باب تفسير القرآن بالقرآن، وتارة يكون من باب تفسير القرآن بالسنة، وتارة يكون من باب تفسير القرآن بقول الصحابي.

النوع الثاني: ما أبهمه الله سبحانه وتعالى، أو أبهمه الرسول صلى الله عليه وسلم بقصد الستر.

مثاله: قوله تعالى: (وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا) (الأحقاف: من الآية17) ، فهذا أبهمه الله تعالى فلم يبين من هو بقصد الستر، وكذا مواطن يبهم الله سبحانه وتعالى الشخص الذي فعل أمرًا من الأمور بقصد الستر عليه.

حكمه: هذا النوع يكره طلب كشفه، إذا كان الله ستره فكيف تكشفه وتفضحه، فهذا يكره طلبه لكن لا يحرم.

النوع الثالث: ما أبهمه الله سبحانه وتعالى بقصد التعظيم، كأمور من صفات الجنة، وأمور من أحوال الآخرة، أبهمها بقصد أن تكون في الأذهان شيئًا عظيمًا، إما لشرفه وعلوه، أو لشدته وغلظته.

النوع الرابع: ما أبهمه الله تعالى بقصد التحقيق.

النوع الخامس: ما أبهمه الله تعالى بقصد التعميم.

النوع السادس: ما أبهمه الله تعالى لعدم تعلق فائدة به، مثل: عدد أصحاب الكهف وأسماءهم واسم كلبهم، واسم مجمع البحرين، وأين هو، ونحو ذلك، وهذا يكثر في قصص القرآن.

إذًا نقول: المبهمات على نوعين:

1 -مبهمات استأثر الله بعلمها، فطلبها حرام.

2 -ومبهمات لم يستأثر الله بعلمها، فطلبها على أنواع، ولكل نوع حكم. فكلها يجوز طلبها إلا النوع الذي فيه طلب الستر فإنه يكره.

مع ملاحظة: أنه لا يجوز الجزم بتعيين شيء من المبهمات في هذه الأنواع ما لم يأتِ الدليل الصحيح الصريح فيها. وليس مجرد ذكرها في كتب التفسير يجعلنا نجزم بها.

مثال: قوله تعالى: (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ) (القصص: من الآية20) ، في كتب التفسير كثيرين يقولون: هي (أنطاكية) ، هذا غير صحيح لأنه لم يأت في نص صحيح صريح فكيف يُساق مساق المسلَّمات؟

إذًا: القاعدة هذه تنبهك على أنواع المبهمات، وتنبهك على أمر خطير وهو: أنه لا يمكنك أن تجزم بشيء من تعيين هذه المبهمات ما لم يكن لديك دليل صحيح صريح، ولا حرج أن تذكره ولكنك تذكره على سبيل الاحتمال، مثل ما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدِّقوهم ولا تكذِّبوهم) .

وقد اختلفت الأحاديث الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم في الإسرائيليات - أخبار أهل الكتاب - ففي بعض الأحاديث نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن قراءة كتب أهل الكتاب وعن النظر فيها وبالتالي عن حكايتها، من هذا لما جاء مرة في أحد طرقات المدينة، ورأى عمر رضي الله عنه يطالع ورقة من التوراة فقال: (أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟! والله لو أن موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي) [أحمد والدارمي] ، هذا النص أفاد عند العلماء: عدم جواز مطالعة كتب أهل الكتب وبالتالي لا يجوز النظر في أخبارهم.

نصٌ ثانٍ: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (بلِّغوا عني ولو آية، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) ، فهنا: ينفي الحرج.

نصٌ ثالث: وهو ما أشار إليه المصنِّف - رحمه الله - يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا حدَّثكم أهل الكتاب فلا تصدِّقوهم ولا تكذِّبوهم) .

جمع العلماء بين هذه النصوص، وذكر قولهم الحافظ ابن كثير - رحمه الله - في أول التفسير قال: قال العلماء - رحمهم الله: إن أخبار أهل الكتاب على ثلاثة أنواع:

النوع الأول: ما نعلم بطلانه بما جاءنا من الوحي، فهذا لا يجوز لنا أن نحكيَه ولا أن نسوقَه، وإن سقناه فإننا نرده ونكذِّبه، وذلك لما قام لدينا في شرعنا من الدليل على أن هذا من الباطل.

النوع الثاني: ما جاءنا من أخبار أهل الكتاب مما نعلم صدقه لموافقته ما أخبرنا الله عز وجل به، وهذا كثير من الأشياء في التوراة والإنجيل نجدها توافق ما عندنا، وبالذات في باب القصص والأخبار، فهذا النوع هو الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) ، أي: فيما عَلِمْتم أنه يوافق ما عندكم.

النوع الثالث: ما لا يوافق ولا يخالف، فهذا هو الذي عناه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم) . (لا تصدقوهم) لأنه لا تعلمون صدقهم فيه، (ولا تكذبوهم) يعني: أنتم لا تعلمون كذبهم فيه.

بعض أنواع المبهمات هذه قد يأتي تفسيرها في نفس كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، مثل: ما أشار إليه المصنف - رحمه الله - أنه جاء في الحديث الصحيح أن صاحب موسى الذي حصلت معه المحاورة والقصة هو: الخَضِر، بل بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم سبب تسميته بالخَضِر، فقد جاء في الحديث: أنه جاء ليجلس على وسادة من فرو كبش أبيض فلما جلس عليها اخضرَّت ْ فسُمِّيَ: بالخَضِر [البخاري] ، هذا جاء في حديث صحيح، فعيَّن مُبهمًا في القرآن، وهو صاحب موسى وزاد أنه بين سبب التسمية، فهذا من نوع المبهمات التي يجوز حكايتها والجزم بها لما ورد من النص الصحيح الصريح في إثباتها.

لكن أين مجمع البحرين؟ أين سدُّ القرنين؟ هذا ليس عندنا فيه خبر، بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه في بعض المبهمات لا يجزم فيقول: لا أدري أتُبَّعٌ نبيٌ أم لا؟ [مستدرك الحاكم (111) ، وأبو داود (4674) ] .

إذًا: لا يجوز الجزم بشيء من المبهمات ما لم يكن هناك مستند صحيح صريح في هذا الموضوع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت