الصفحة 56 من 94

فَهَذَا لَا يَجُوزُ تَصْدِيقُهُ وَلَا تَكْذِيبُهُ إلَّا بِحُجَّةِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:"إذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ فَإِمَّا أَنْ يُحَدِّثُوكُمْ بِحَقِّ فَتُكَذِّبُوهُ وَإِمَّا أَنْ يُحَدِّثُوكُمْ بِبَاطِلِ فَتُصَدِّقُوهُ" [1] .

وَكَذَلِكَ مَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ أَخَذَهُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ فَمَتَى اخْتَلَفَ التَّابِعُونَ لَمْ يَكُنْ بَعْضُ أَقْوَالِهِمْ حُجَّةً عَلَى بَعْضٍ.

وَمَا نُقِلَ فِي ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ نَقْلًا صَحِيحًا فَالنَّفْسُ إلَيْهِ أَسْكَنُ مِمَّا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ؛

لِأَنَّ احْتِمَالَ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَوْ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ مِنْهُ أَقْوَى.

وَلِأَنَّ نَقْلَ الصَّحَابَةِ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَقَلُّ مِنْ نَقْلِ التَّابِعِينَ.

وَمَعَ جَزْمِ الصَّاحِبِ فِيمَا يَقُولُهُ فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّهُ أَخَذَهُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَقَدْ نُهُوا عَنْ تَصْدِيقِهِمْ؟ [2] .

(1) يعني: والحال أنكم لا تعلمون صدقهم من كَذِبهم، وكذلك من بعض التابعين، وإن لم يَذْكُر أنه أخذه من أهل الكتاب.

(2) لدى بعض الناس جرأة غريبة، إذا ما جاء نص عن الصحابي، في قضية مما لا يجدها في القرآن العظيم والسنة النبوية، فإنه يهجم على القول بأنها مما تلقاه ذلك الصحابي عن بني إسرائيل!

والحقيقة أن الأمر يحتاج إلى وقفة متأنية؛ فأقول: لا شك أن الصحابي الذي جاء في كلامه ما هو من قبيل كشف المبهم، لن يورد شيئًا عن أهل الكتاب يخالف ما في شرعنا، نجزم بذلك. إذا ما أورده الصحابي - على فرض أنه مما تلقاه عن أهل الكتاب - إمّا أن يكون مما يوافق شرعنا، وإما أن يكون مما لا يوافق و لا يخالف، ويدخل تحت عموم قوله - صلى الله عليه وسلم:"حدثوا عن بني إسرائيل ولاحرج" [أحمد وأبو داود] ،"وإذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم و لا تكذبوهم" [أحمد وأبو داود] .

فالجرأة على رد ما جاء عن الصحابي بدعوى أنه من أخبار أهل الكتاب، لا يناسب علمهم وفضلهم رضي الله عنه، ويوضح هذا: أن الصحابي إذا جزم بشيء من هذه الأمور في تفسير آية فإنه يغلب على الظن أنه مما تلقاه عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أو مما قام على ثبوته الدليل، وإلا كيف يجزم به في تفسير الآية، وهو يعلم أن غاية هذا الخبر أنه مما لا نصدقه أو نكذبه؟!

من ذلك ما جاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: (فُصِل القرآن الكريم من اللوح المحفوظ وأُنزِل في بيت العزة في السماء الدنيا، ثم نَزَل على محمد صلى الله عليه وسلم مُنَجَّمًَا في ثلاث وعشرين سنة) [الطبراني في الكبير: (12243) ،والحاكم في المستدرك: (2932) ،والبزارفي مسنده: (210/ 2) ] .

رأيتُ بعض المتأخرين يجزم بأن هذا من الإسرائيليات، وبأن هذا مما تلقاه ابن عباس عنهم، مع أن هناك قرائن في نفس الخبر تمنع هذا؛ منها:

أولًا: جَزْم ابن عباس به.

ثانيًا: لا علاقة له بالتوراة والإنجيل لأنه يتكلم عن القرآن.

ثالثًا: هو يتكلم عن نزول القرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم.

رابعًا: لا مخالف لابن عباس في هذا.

فهذا مما يجعل سند ابن عباس هذا - وإن كان موقوفًا سندًا - فهو مرفوع حكمًا ومعنى، يعني أن له حكم الرفع.

وجاء عن ابن عباس نفسه أنه كان ينهى عن الأخذ عن أهل الكتاب، كما روى البخاري في صحيحه، فكيف نقول: إن هذا من الإسرائيليات.

عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - صحيح أنه وقعت له زاملتان من أخبار أهل الكتاب وكتبهم، وكان يحدِّث بها؛ لكن نستبعد استبعادًا كبيرًا أن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - يجزم في تفسير آية بشيء هو من هذه الأخبار، فينبغي للإنسان أن يعرف قدْر الناس ويُنَزِّلهم منازلهم، وهؤلاء صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بالدين وأورع وأعلى فقهًا منا، وأكثر تقوى لله منا، وأعظم خشية لله منا؛ فكيف بمسألةٍ آحاد طلبة العلم يعلمها ويستنكرها، هم يعملوا على خلافها، هذا من أبعد ما يكون!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت