الصفحة 71 من 94

فَصْلٌ

وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي [1] مِنْ مُسْتَنَدَيْ الِاخْتِلَافِ وَهُوَ مَا يُعْلَمُ بِالِاسْتِدْلَالِ لَا بِالنَّقْلِ فَهَذَا أَكْثَرُ مَا فِيهِ الْخَطَأُ مِنْ جِهَتَيْنِ حَدَثَتَا بَعْدَ تَفْسِيرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ بِإِحْسَانِ;

فَإِنَّ التَّفَاسِيرَ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَلَامُ هَؤُلَاءِ صِرْفًا [2] لَا يَكَادُ يُوجَدُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ هَاتَيْنِ الْجِهَتَيْنِ مِثْلَ تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَوَكِيعٍ وَعَبْدِ بْنِ حميد وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إبْرَاهِيمَ دحيم، وَمِثْلَ تَفْسِيرِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَإِسْحَاقَ بْنِ راهويه وبقي بْنِ مخلد وَأَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْذِرِ وَسُفْيَانَ بْنِ عيينة وَسَنِيدٍ وَابْنِ جَرِيرٍ [3] وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ماجه، وَابْنِ مردويه:

إحْدَاهُمَا: قَوْمٌ اعْتَقَدُوا مَعَانِيَ ثُمَّ أَرَادُوا حَمْلَ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ عَلَيْهَا [4] .

والثَّانِيَةُ: قَوْمٌ فَسَّرُوا الْقُرْآنَ بِمُجَرَّدِ مَا يُسَوِّغُ أَنْ يُرِيدَهُ بِكَلَامِهِ مَنْ كَانَ مِنْ النَّاطِقِينَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ مِنْ

(1) (بداية الدرس العاشر 18/ 10/1423هـ)

(1) سبق للمصنف رحمه الله أن قال:"الِاخْتِلَافُ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى"نَوْعَيْنِ"مِنْهُ مَا مُسْتَنَدُهُ النَّقْلُ فَقَطْ وَمِنْهُ مَا يُعْلَمُ بِغَيْرِ ذَلِكَ؛ إذْ الْعِلْمُ؛ إمَّا نَقْلٌ مُصَدَّقٌ. وَإِمَّا اسْتِدْلَالٌ مُحَقَّقٌ"اهـ، وهو فيما سبق تكلم عن التفسير الذي مستنده النقل وما يتعلق بقواعد النقل، وخصوصية أهل الحديث فيه، وخصوصية علماء التفسير فيما يروونه. وفي هذا الفصل يتكلم المصنف عن التفسير الذي مستنده الاستدلال، فذكر جهات دخول الخطأ في التفسير الذي مستنده الاستدلال.

(2) هذا ضابط التفسير بالمأثور، وهو التفسير الذي تورد فيه أحاديث وآثار التفسير صرفة، بدون ترجيح أو توجيه.

وكتب التفسير بالمأثور: هي التي تورد كلام الرسول صلى الله عليه وسلم وكلام الصحابة وكلام التابعين في تفسير الآية دون التعرض لترجيح أو توجيه.

ولا يعكر على هذا كون بعض كلامهم يرجع إلى الاجتهاد، للفرق بين اجتهادهم في التفسير إن حصل (أعني الصحابة والتابعين) فهو ليس كاجتهاد غيرهم، ويكفي ما ذكره المصنف هنا من أن تفاسيرهم تكاد تخلو من جهات الخطأ في التفسير الذي مستنده الاستدلال.

وعليه فإن كتب التفسير بالرأي هي التي يدخل فيها التوجيه والترجيح من المفسر، وباعتبار شروط قبول التفسير بالرأي فإنه ينتج أن الرأي الصرف في التفسير غير مقبول، وإنما يقبل التفسير الجامع بين المأثور والرأي، بمعنى الكتب الجامعة بين الرواية والدراية. ...

وترجيحات وتوجيهات المفسر تصطبغ بالعلم الغالب عليه، فالفقيه يهتم بهذا الجانب، والمتكلم الأصولي يهتم بهذا الجانب، واللغوي والنحوي يهتم بهذا الجانب، وهكذا، مما جعل للتفسير بالرأي المقبول - الذي هو في الحقيقة (جامع بين الرواية والدراية) - له عدة أنواع فهناك التفسير البلاغي، وهناك التفسير النحوي، وهناك التفسير الفقهي، وهناك التفسير الكلامي، وهناك التفسير الأدبي، وهناك التفسير الاجتماعي، وهناك التفسير العلمي، وهناك التفسير التحليلي، كل ذلك في حقيقته اصطباغ للتفسير بالرأي المقبول بحسب الشخصية العلمية للمفسر.

(3) تفسير ابن جرير الطبري المعروف بـ (جامع البيان عن آي القرآن) هو من كتب التفسير الجامعة بين التفسير بالمنقول والتفسير بالاستدلال، مثله مثل تفسير البغوي وابن كثير؛ لكن صبغة التفسير بالمأثور غالبة، وتوجيهاته وترجيحاته دائرة في مجال التفسير المنقول، فعد من التفسير بالمأثور تغليبًا، وإلا فهو من كتب التفسير الجامعة بين الرواية والدراية.

(4) ولهذا تجد أصحاب البدع إذا فسروا نصوص الشرع التي تخالف معتقدهم يلوونها لتوافق اعتقادهم.

ومن أجل هذا قالوا في آداب البحث والمناظرة: استدل ثم اعتقد، لأنك إذا اعتقدت ثم استدللت فإنك تبحث عما يؤيد اعتقادك، لا عن الحق من حيث هو. فالطريقة القويمة أن تستدل ثم تعتقد، متمسكًا في استدلالك بالكتاب والسنة على منهج السلف الصالح، فلا تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام، وكن حريصًا على الاتباع ولزوم الأمر العتيق، فإنك إذا فعلت اهتديت، وإن خالفته لحقك الضلال،"تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض" [المستدرك (324) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت